والصلاة جامعة لجميع أنواع الذكر من قراءة قرآن وتسبيح وتهليل وتكبير وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن صلى ركعتين لله فقد ذكر الله بجميع أنواع الذكر ... وعلى أي حال على المسلم أن يخلص النية لله في قراءته للقرآن وذكره لله وفي صلاته وجميع عباداته ... وأن يتقيد في ذلك كله بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، دون زيادة ولا نقص.
وإنني أنبه إخواني المسلمين على وجوب الحذر مما يؤلفه بعض الناس من أدعية وأذكار مختلفة يجمعونها بطرق معينة ويدعون أن لها فضلاً خاصاً بدون دليل شرعي، إنما دليلهم أنه قالها الشيخ فلان ... أو أنها مجربة. فإنها بدعة لا يصح قولها بالطريقة تلك البدعية كالأذكار المؤلفة حسب الأيام مثل ذكر يوم السبت ويوم الأحد ...الخ، أو أذكار مجموعة للطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، تحدد ذكراً للشوط الأول وآخر للشوط الثاني وهكذا ... فهذه كلها أعمال مبتدعة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) )أي مردود عليه غير مقبول. فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص كل يوم من أيام الأسبوع بذكر معين ولا تخصيص كل شوط من أشواط الطواف أو السعي بذكر معين مخصوص.
فليحذر المسلمون من الابتداع في الدين حتى تقبل أعمالهم وتوبتهم، فإن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته كما جاء في الأثر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم.
وفي السنة النبوية غنية وكفاية عن غيرها أسأل الله العلي العظيم أن يهدينا ويوفقنا لما يحب ويرضى إنه سميع مجيب.
وإن من العجيب أنك ترى بعض المسلمين يتمادون في الابتداع ويتفننون في الاختراع بابتكار طرق مختلفة لذكر الله، فمنهم من يذكر الله بذكر لفظ الجلالة فقط: الله. الله. الله، أو: هو. هو. هو، أو: يالطيف. يالطيف ويضع أرقاماً فلكية لذلك الذكر بعشرات الألوف ... ومنهم من يخصص للأذكار زماناً محدداً أو كيفية مخصوصة أو يفعل ذلك الذكر مصحوباً بالطبل أو الآلات الموسيقية أو التصفير والضرب بالأرجل والترنم بها بأصوات جميلة أو يكرر كلمة في القرآن عشرات المرات مثل كلمة (يس) 40 مرة أو أقل أو أكثر عند قرائتها إلى غير ذلك من الاختراعات والمبتدعات التي ما أنزل الله بها من سلطان إنما هي من إتباع الهوى وسبل الشيطان ليضلوا بها الناس عن الصراط المستقيم الذي جاء به سيد الذاكرين الموحدين صلى الله عليه وسلم.
الخطبة الأولى
?الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ? (1) . أحمده جل شأنه خلق الليل والنهار والشمس والقمر وكل في فلك يسبحون ،وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ....
أما بعد..
فأوصيكم عباد الله بتقوى الله في السر والعلن والغيب والشهادة فما استمطرت الرحمات ولا استجلبت النفحات ولا استدفعت المصائب والبليات بمثل تقوى الله رب البريات ،فاتقوا الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون: ?وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ? (2)
أيها الناس إن ربكم الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير:?إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ? (3) . خلق الله سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً فالشمس والقمر والليل والنهار آيات عظيمة باهرة دالة على رب عظيم وإله قوي قدير عليم فتبارك الله الذي ?تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً.وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً? (4) .
أيها الناس إن من آيات الله الباهرة في الشمس والقمر ما يجريه الله عليهما من الخسوف والكسوف وهو ذهاب ضوئهما واضمحلال سلطانهما وزوال جمالهما وبهائهما:
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فيه موحد
?سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ? (5) عباد الله إن انكساف الشمس والقمر وخسوفهما يدل على قدرة الله النافذة وحكمته البالغة وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى حكمة هذه الآية العظيمة: ففي الصحيحين أن الشمس كسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فزعاً فاقترأ رسول الله قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً ثم رفع رأسه فقال: (( سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ) )ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول ثم قال: (( سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ) )ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم خطب خطبة بليغة كان منها أن قال: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة ) ). وقال أيضاً: (( ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده ) ) (6) . فالحكمة الكبرى من الكسوف أيها الناس تخويف العباد وزجرهم عن السيئات وحثهم على الطاعات فالله جل في علاه يخوف عباده إذا عصوه أو عصوا رسله بترك المأمورات والوقوع في المنهيات فالله تعالى يا عباد الله يخوفكم بهذه الآية الظاهرة التي يدركها الصغير والكبير والحاضر والبادي والعالم والجاهل، ينذركم بهذا الاختلال في نظام الكون حصول الكوارث والمصائب ونزول النكبات والعقوبات فالكسوف يا عباد الله قد يكون سبباً لعقوبة حالّة مهلكة كرياح شديدة عاصفة أو أمطار متواترة أو زلازل مدمرة أو غير ذلك من العقوبات فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفاً فإنما يخاف الناس مما يضرهم قال الله تعالى:?وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً? (7) ولذلك وجه النبي صلى الله عليه وسلم أمته عند ظهور علامات التخويف إلى ما تستدفع به الشرور والنكبات ويحصل به الأمن من العقوبات فأمر بالفزع إلى الأعمال الصالحات من الدعاء والذكر والصلاة والعتاق والصدقة والتوبة حتى ينكشف ما بالناس وينجلي عنهم الكسوف والخسوف: ? وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? (8)