وقال لابنهِ وهو في سياقِ الموتِ: ويحك ! ضع خدي على الأرض؛ عساهُ أن يرحمنَي ، ثُمَّ قال: ويلَ أمِّي إن لم يغفرِ اللهُ لي ؛ ثلاثا ثم قضى .
وهذا عثمانُ بنُ عفانَ- رضي الله عنه- كان إذا وقفَ على القبر؛ يبكي حتى تبلَّ لحيتُه .
وقال: لو أنني بين الجنةِ والنارِ ، لا أدري إلى أيتهِما يؤمر بي ؛ لاخترتُ أن أكونَ رماداً قبل أن أعلمَ إلى أيتهِما أصير.
وقرأ تميمٌ الداريُ ليلةً سورةَ الجاثيةِ فلمَّا أتى على هذه الآية: (( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) ) (سورة الجاثية:31) .
جعل يرددُها ويبكي حتى أصبح .
وقال أبو عبيدةَ عامرُ بنُ الجراحِ: وددتُ أني كبشٌ ، فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي وحَسَوا مرقي .
ألا إنَّها دعوةٌ للجميعِ عامةً ولمن سلكَ دربَ الفنِ والغناءِ خاصة، أن يعودوا إلى ربهِم ، وينتهوا عن غيِهم، وأن يتعظوا بغيرهم قبل أن يتعظَ غيرُهم بهم، فالعمرُ قصيرٌ، والموتُ قريبٌ ، والموقفُ مهولٌ، والحسابُ عسير، وهي جنةٌ أو نارٌ، فتبرأُ من صنعتِك التي تقربكَ إلى النار، وتخلَ عن مهنتِِك التي تُباعدك عن الجنة، واحذر مجالسةَ المُخذِّلين، إي وربي الذين يغرونكَ بالمالِ والشهرة، والمنصبِ والجاه، أو يقعدونكَ ويسلبها، فإنَّهم لا ينفعونَك، يقول الله تعالى: (( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) ) (سورة البقرة:167,166 ) .
ألا إنَّها دعوةٌ للحذرٍ من الاغترارِ بأقوالِ أهلِ الصحافةِ والدجلِ، فو الله لن يغنوا عنكَ من الله شيئا، (( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم ) ) (سورة الشعراء 89,88) .
وماذا ينفعُ العبدُ إذا ماتَ أن يقال عنه: رحيلٌ لا يليقُ إلاَّ بالكبار !! وأيُّ إكبارٍ أن تموتَ وأنت تبارزُ اللهَ تعالى بالمعاصي .
ألا إنَّها دعوةٌ للحذرِ من الزخَمِ الصحفي الذي يصورُ المنكرَ معروفاً، والباطلَ حقاً، وسوءَ الخاتمةِ شهادة و بطولةً وإقداماً، فالغناءُ محرمٌ بنصِ الكتابِ والسنةِ وإجماعِ العلماءِ، ومن ماتَ على شيءٍ بعثهُ اللهُ عليه، كما قال- عليه الصلاة والسلام- [6] ،فهل تحبُ أن تبعثَ يومَ القيامةِ على هذهِ الحالةِ ؟ نسألُ اللهَ تعالى السلامةَ والعافيةَ، ومن أحبَّ قوماً حُشرَ معهم .
ألا إنَّها دعوةٌ للحذرِ من التعجلِ في الحكمِ على الناسِ بجنةٍ أو نارٍ، فأهلُ السنةِ والجماعةِ يعتقدونَ بأنَّ أهلَ الكبائرِ تحتَ مشيئةِ اللهِ تعالى، إن شاءَ عذبهَم وإن شاءَ عفا عنهم، ونحنُ نرجو للمحسنِ ونخشى على المسيء .
إلاَّ إنَّها دعوةٌ للحذرِ من التعلقِ بالرجاءِ وسعةِ رحمةِ الله بلا عملٍ، فقد دخلت امرأةُ النارَ في هرةٍ ، واشتعلت الشملةُ ناراً على مَنْ غلَّها، وقد قُتِل شهيداً فيما يحسبه الناسُ .
اللهمَّ إنَّ نعوذُ بك من جهدِ البلاءِ ودركِ الشقاءِ، وشماتةِ الأعداءِ، وسُوء القضاء ، اللهمَّ اجعل آخر كلامنا من هذه الدنيا كلمة التوحيد، ونسألكَ اللهمَّ حُسنَ الختام.
[1] قاله: محمد عبده في عكاظ عدد 12405
[2] قاله: شاكر سليمان شكوري في عكاظ عدد 12405 .
[3] البلاد عدد 16085 بقلم محمد عبد الواحد .
[4] انظر: الحلية (7/12) .
[5] أخرجه: أحمد (6/49-86-182) وقد صححه الألباني في السلسلة (3/12) .
[6] رواه أحمد (3/314) والحاكم (4/348) وأبو يعلى (4/184) وصحح الحاكم إسناده .
وليد بن إدريس المنيسي
مينيسوتا
دار الفاروق
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-بشارة وتخويف. 2- أقسام الناس في الخاتمة. 3- علامات حسن الخاتمة. 4- وقائع عن سوء الخاتمة.
الخطبة الأولى
وبعد: عن أبي هريرة وسهل بن سعد رضي الله عنهما أن النبي قال: (( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها ) )رواه البخاري ومسلم.
في هذا الحديث الشريف بشارة وتخويف، بشارة لمن تاب وأصلح عمله قبل الموت بأنه إذا ختم له بعمل أهل الجنة كان من أهلها، وتخويف للمؤمن الطائع من أن يزل ويعمل بعمل أهل النار خشية أن يحضره أجله وهو على هذه الحالة فيدخلها والعياذ بالله.
وللناس في خاتمتهم على أقسام:
1-أشرفها من كان في حياته مؤمنًا صالحًا فلما قرب أجله ازداد اجتهادًا في العبادة، فمات على أكمل أحواله، وعلى رأس هؤلاء رسول الله ، فإنه لما قرب أجله اعتكف في رمضان عشرين يومًا، وكان قبل ذلك يعتكف في كل عام عشرة أيام، وختم القرآن على جبريل مرتين في رمضان، وكان يختمه عليه قبل ذلك مرة، وحج حجة الوداع ، وكان يقول: (( ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي ) ).
2-من كان في حياته كافرًا أو فاسقًا فلما قرب أجله أسلم وتاب واستقام وحسن عمله، فمات على ذلك، كالرجل الذي قتل مائة نفس ثم تاب، وذهب إلى قرية فيها صالحون ليعبد الله معهم، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة، والحديث في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه.
3-من كان في حياته كافرًا أو فاسقًا فازداد قبل حلول أجله فسقًا وكفرًا، فمات على أسوأ أحواله.
4-من كان في حياته مؤمنًا ثم كفر أو صالحًا ثم فسق والعياذ بالله تعالى، فمات على ذلك، فهذا أعظمهم حسرة وندامة، وهذه التي خافها الصالحون. قال سفيان الثوري رحمه الله:"الذنوب أهون عليّ من هذه ـ وأشار إلى تبنة كانت في يده ـ وإنما أخاف من سوء الخاتمة، قال تعالى: وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217] ".
ولكن في الحديث بشارة بإذن الله لمن عمل بعمل أهل الجنة مخلصًا إذا بدا للناس وإذا خلا بنفسه؛ لأن النبي بين أن الذين يختم لهم بالسوء وكانوا يعملون عمل أهل الجنة إنما كانوا يعملون به فيما يبدو للناس، عن عمرو بن الحَمِق رضي الله عنه قال: (( إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله ) )قيل: كيف يستعمله؟ قال: (( يفتح له عملاً صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله ) )رواه أحمد والحاكم وابن حبان وصححه الألباني في صحيح الجامع (301) ، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي: (( إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرًا قيض له قبل موته بعام ملكًا فيوفقه ويسدده حتى يقال: مات بخير ما كان يعمل، وإذا أراد الله بعبد سوءًا قيّص له قبل موته بعام شيطانًا فأضله وفتنه حتى يقال: مات بشر ما كان يعمل ) )رواه عبد بن حميد في مسنده.
لحسن الخاتمة علامات، كل واحدة منها كافية بإذن الله في الاستبشار بحسن الخاتمة من غير جزم بذلك:
1-النطق بالشهادة عند الموت لقوله: (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) )رواه الحاكم.