فهرس الكتاب

الصفحة 7728 من 9994

موسوعة الخطب المنبرية

الباب الثالث

خطب ودروس غير مرتبة

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

الخطبة الأولى

الحمد لله؛ خلق عباده فكلفهم، وهو الذي ينعم عليهم فيهديهم، ويوم القيامة يجازيهم، أحمده على تتابع نعمه، وأشكره على عظيم مننه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له: (أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) .

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أقام الحجة، وأوضح المحجة، ونصح للأمة، وجاهد في الله تعالى حق جهاده حتى توفاه الله تعالى، لا خير إلا دلنا عليه، ولا شرّ إلا حذرنا منه؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ وصفهم الله تعالى بأنهم: (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) . والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فإنها نعم العدة، ليوم تستحكم فيه الشدة، وتشتد المحنة، وتعظم الكربة، حين يلجم الناس عرقهم؛ فاتقوا ربكم للنجاة من ذلك اليوم العصيب: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) .

أيها الناس:

إنّ شريعة الله تعالى وسط بين إفراط المفرطين، وتفريط المفرطين.

وسط بين غلو الغالين، وجفاء الجافين.

وهي الدين الحق الذي هو دين الأنبياء كلهم، ولا يقبل يوم القيامة من الأديان سواه: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) . (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .

ومن اختار الإسلام ديناً له فإنه لا يجوز الحكم بكفره إلا بناقض ينقض إسلامه، بعد أن تبين له الحجة، وتزال عنه الشبهة، فإن أصر بعد ذلك على ما بسببه يكفر فلا يجوز الحكم بإسلامه، وإلا لكان دين الإسلام ألعوبة في أيدي السفهاء والمحرفين، كما هو حال الأديان المحرفة أو الموضوعة.

إن المسلم لا يكفر إلا إذا أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو اعتقد اعتقاداً، أو قال قولاً، أو فعل فعلاً، قد انعقد الإجماع، أو دل الدليل الصحيح الصريح على أنه كفر ناقل عن الملة.

ولا يكفر المسلم بارتكاب الكبائر والموبقات، ولو جاءت النصوص بلعن صاحبها أو غضب الله تعالى عليه، أو جاء فيها وعيد شديد بالعذاب والنار، إلا أن يستحلها فيكفر بالاستحلال لا بمجرد الفعل.

ولا يلزم من وقوع المسلم في مكفر من المكفرات الواضحة الحكم بكفره ابتداء حتى ينقطع عذره بتوافر الشروط، وارتفاع الموانع من الجهل والتأويل والإكراه، وعلى ذلك دلت نصوص الكتاب والسنة، وانعقد إجماع سلف الأمة، خلافا للفرق الضالة في هذا الباب.

أما الإكراه فقد رخّص الله تعالى لمن غلب على ظنه أنه يُقتل أو يُعذّب أن يقول الكفر أو يفعله مع سلامة قلبه منه، وطمأنينته بالإيمان: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .

وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وذلك حين عذّبه المشركون، ولم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتهم بخير،"فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟! قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُرِكْتُ حتى نلتُ منك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟! قال: مطمئن بالإيمان. قال: إن عادوا فعد".

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:"ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته". اهـ

وهذه الرخصة رحمة من الله تعالى بعباده، فما كل الناس يطيق العذاب، ويواجه الموت في سبيل دينه.

ومن ثبت على دينه ولو أفضى ذلك إلى تعذيبه وقتله فهو أفضل عند الله تعالى، كما ثبت بلال رضي الله عنه، وأغاظ المشركين وهم يفعلون به الأفاعيل؛ حتى كانوا يضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم، وهو يقول: أحدٌ أحد، ويقول:"والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها". رضي الله عنه وأرضاه.

وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري؛ لما قال له مسيلمة الكذاب:"أتشهد أن محمدا رسول الله؟!"قال:"نعم"فيقول مسيلمة:"أتشهد أني رسول الله؟!"فيقول:"لا أسمع". فلم يزل يقطعه إرباً إرباً، وهو ثابت على ذلك حتى لقي الله تعالى، فرضي الله عنه وأرضاه"."

وقد نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء إلا أن يخافوهم على أنفسهم، فيصانعوهم؛ درءاً لشرّهم، وردّاً لخطرهم، مع بغضهم لهم، ومعونة المؤمنين عليهم: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ) . أي: إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين، فلكم في هذه الحال الرخصة في المسالمة والمهادنة، لا في التولي الذي هو محبة القلب الذي تتبعه النصرة.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"وقوله تعالى: (إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلّا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرّهم، فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء، أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم". اهـ

والجهل مانع من وصف المسلم بالكفر، إذا كان مثله يجهل الكفر الذي قاله أو فعله، ولو أتى ناقضاً من نواقض الإسلام؛ حتى يرفع جهله بالعلم، وتقام عليه الحجة.

عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أن رجلاً كان قبلكم رغسه الله مالاً - أي: كثر ماله أو جعل له أصلاً من مال - فقال لبنيه لما حضر: أيّ أبٍ كنتُ لكم؟! قالوا: خير أبٍ. قال: فإني لم أعمل خيراً قط، فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا فجمعه الله عز وجل فقال: ما حملك؟! قال: مخافتك، فتلقاه برحمته".

وفي رواية:"فجمعه الله فقال: لم فعلت؟! قال: من خشيتك، فغفر له". [رواه البخاري] .

وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم أذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي ربّي ليعذبني عذاباً ما عذبه به أحداً، قال: ففعلوا ذلك به، فقال الله تعالى للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟! فقال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك فغفر له بذلك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت