بعد ذلك تلجأ السلطة لآلياتها للمحافظة على ضبط الجماهير: قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يامُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَاناً سُوًى [طه:57، 58] ، فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى قَالُواْ إِنْ هَاذانِ لَسَاحِرانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى قَالُواْ يامُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاْعْلَى وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُواْ امَنَّا بِرَبّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّحْرَ فَلاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلاصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَاذِهِ الْحياةَ الدُّنْيَا إِنَّا امَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه:71-75] .
وكانت الهزيمة، وتجلت مظاهر الشهادة، ونالوا درجة المقربين والأجر، ولكن من رب كريم، وكان هذا بداية انهزام مؤسسة الطغيان أمام فكر التوحيد والتحرير، على الرغم من الخسارة المادية المتمثلة باستشهاد نفر من المؤمنين.
إن اللجوء للعنف علامة إفلاس فكري لأن من يملك الحجة يحاور، فحين يعجز يقمع.
الخطبة الأولى
أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى واعتبروا بما في سيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم من العبر والعظات: ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً? (1) .
أيها المؤمنون خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة في شهر ذي القعدة من السنة السادسة ومعه نحو ألف وأربعمائة من أصحابه فأحرم صلى الله عليه وسلم ومن معه من ذي الحليفة فلما علمت قريش بذلك جمعوا له جموعاً ليصدوه عن البيت فلما دنا صلى الله عليه وسلم من الحرم خلأت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بركت وأبت المسير فقال صلى الله عليه وسلم: (( حبسها حابس الفيل ) ) (2) أي حبسها الله رب العالمين لحكمة بالغة. فقال صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ) ) (3) . ثم رجرج ناقته فوثبت فعدل عن قريش ونزل بأقصى الحديبية ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قريش عثمان بن عفان ليخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت لقتال أحد إنما جاء معتمراً فلما أبطأ عثمان على رسول الله وشاع بين المسلمين أن قريشاً قتلته دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى البيعة على القتال وأن لا يفروا إلى الموت فجلس صلى الله عليه وسلم تحت شجرة في الحديبية وبايعه الناس وفيها قال الله تعالى: ?لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً? (4) .