الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، وخاتم النبيين،صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه .
أيها المسلمون:
علامة المخلص المراقب لربه أن يكون في خلوتهِ كما هو في جلوته.
ورحم الله أبا سليمان الداراني حيث يقول: ( مَنْ صَفّى صُفّي له ومن كدّر كُدر عليه، ومن أحسن في ليلة كوفئ في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله ) .
وحين غابت مراقبة الله وضعف الإيمان عند كثير من الناس اليوم تجرؤا على محارم الله وجاهروا بمعصية الله والبعض إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ، غابت المراقبة فأُكل المال الحرام وفعلت الفواحش والآثام وأطلقت العيون إلى القنوات والأفلام وتكاسلوا عن الصلاة ونطقوا وكتبوا ما يحرم الله من الكلام ، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون .
حينما غابت المراقبة وقلَّ الحياء ظهر العقوق وبخست الحقوق وتعلقت القلوب بالدنيا وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانطفأت الغيرة على حرمات الله فلا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل .
فيا أيها الناصح لنفسه عُدْ إلى ربك ، واستغفر لذنبك ، واستعدَّ للقدوم عليه
أنْدُب زماناً سلَفاً سوّدت فيه الصحفا
ولم تزل معتكفاً على القبيح الشَّنع
كم ليلةٍ أودعتها مآثماً أبدعتها
لشهوةٍ أطعتها في مرقدٍ ومضجع
وكم خطىً حثثتها في خزنة أحدثتها
وتوبةٍ نكثتها لملعب ومرتع
وكم جرأت على رب السماوات العلى
ولم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي
وكم غمصت بره وكم أمنت مكره
وكم نبذت أمره نبذ الحذاء المرقع
فالبسْ شعار الندمِ واسكب شآبيب الدمِ
قبل زوال القدمِ وقبل سوء المصرع
أيها المسلمون:
ماذا يبقى للإنسان إذا تنّدس عرضه وذهب دينه وخَسِرَ آخرته .
يا عباد الله: ظهر القحط والوباء ولم نر التضرع والبكاء والله يقول: (( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ) ) (سورة المؤمنون:76) . ويقول: (( فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ) (سورة الأنعام:43) .
ويقول: (( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ) (سورة الروم:41) .
قد انعدمت المراقبة لله عند البعض من الناس فصارت حياتهم قنواتٌ وأفلام وفواحش عظام معاكسات وانتكاسات غناءٌ وطرب ولهو ولعب فهل بهذا أمروا ؟ أم لهذا خلقوا . قال الله تعالى (( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ ) ) (سورة الأنبياء:1) .
(( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) ) (سورة الأنبياء: 2) ليت شعري هل عندهم أمانٌ من هجوم الموت ؟ أم ضمانٌ بالمغفرة ؟ أم هي السكرة والغفلة (( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ) ) (سورة الإنشقاق: 6) .
إلى التوبة يا عباد الله فهاهي النذر تقدمت والحجة قامت ( وربك على كل شئٍ شهيد)
يا مدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا
غرّك من ربك إمهاله وستره طولَ مساويكا
قال بعض السلف: اتق الله أن يكون أهونَ الناظرين إليك .
يقول الله تعالى: (( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) ) (سورة الزخرف: 80)
اللهم اجعلنا نخشاك حتى كأننا نراك ، اللهم تب علينا أجمعين وارحمنا يا خير الرحمين .
اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وأصلح لنا شأننا كله ياذا الجلال والإكرام ، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك المجاهدين
الحمد لله القائل: (( َفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) ) (سورة المؤمنون / 115) .
وأشهد أن لا إله إلا الله جعل المال والبنين زينة الحياة لدنيا ، والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربِّك ثواباً وخيرٌ أملاً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله محمد أوصانا بتقوى الله وذكرنا برعاية الأمانات والمسؤوليات فقال: (( كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته ) )وقال: (( لن تزولا قدم عبد حتى يسأل عن أربع فذكر منها (( وعن عمره فيما أفناه ) )اللهم صل وسلم عليه ..
إخوة الإسلام:
حديث الناس هذه الأيام عن الإجازة ، وتساؤلهم كيف نستثمر الإجازة ؟
والحديث عن الوسائل التي تستثمر بها الإجازة يفترض أن يُسبق بجملة من الأمور لا بد أن نتذكرها ونعيها جيداً قبل الحديث عن الوسائل النافعة ومن ذلك: هدف الوجود ومفهوم العبادة .. فَخَْلقُنا لغاية نبيلة ألا وهي تحقيقُ العبودية لله (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) (سورة الذاريات / 56) .
والعبادة مفهوم شامل لكل ما حبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال .. فالنستحضر هذا الهدف دائماً ولنحقق العبودية لله في مناكب الأرض أينما كنا .
وأمرٌ آخر ألا وهو استشعارُ قيمة الوقت ومخاطر الفراغ فالوقتُ هو الحياة - وهو أغلى ما نملك ، وإذا أردت أن تتبينَ أقدارَ الناس وتفاوتهم في الدرجات فانظر إلى قيمةِ الوقت عندهم وكيف يُستثمر
وإذا كان الفراغُ مصيبةً على مستوى الأمة والمجتمع فهو كارثةٌ في حق الفتيان والفتيات إذا ما اسُتغل في تدمير الذات أو تدمير الآخرين ..
إنه طاقةٌ لا بد من صرفها فيما ينفع ، وألا تحول إلى مشكلة تتجذر أبعادُها ، ويتحمل المجتمع مخاطرها ونتائجها
والأمر الثالث سؤال يوجه للأولياء وللشباب ، فهل يشعر الأولياء بمسؤليتهم كاملة تجاه أبنائهم ... هل يقدرون ظروفهم ويتحسبون لمشاكلهم ، هل يفكرون جيداً في استثمار أوقاتهم ، هل يُقدرون المشكلة حق قدرها ، وهل يكونون على مستوى المسؤولية
إن فئة من الأولياء لا تزال غائبةً عن الرعاية والتوجيه ، مشغولةً بذاتها ، تاركةً الحبل على الغارب ، وهذه النوعيةُ - مهما كانت قليلة فلها أثُرها في جنوح الشبابُ وبلوى المجتمع بهم .
أما الشبابُ فيقالُ لهم هل تُكرمون أنفسكم أم تدسونها {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} وهل تكونون بُناةُ مجدٍ لبلادكم وأمتكم أم ترضون أن تكونوا مشكلة يُبحث لها عن حلول ، هل ترغبون أن تكونو أرقاماً هامشية لا وزن لها ولا قيمة بل عبئاً على أهليكم ومجتمعكم ؟ أين تطلعكم للمستقبل الواعد صلاحاً وهدى ، وعلماً ، وعملاً ، منطقية في التفكير ، وتقدير للمسؤلية واستثمار للفرص ، واغتنام لزهرة الشباب ، إن الآباء والأمهاتِ يتطلعون إلى بركم ، والمجتمعُ ينتظر فاعليتكم وإيجابيتكم ، وأنتم أهلٌ للثقة .. فقدروا مسؤليتكم وموقعكم .
عبادَ الله وإذا استقرت هذه المعاني في نقوسنا جميعاً .. كانت مهيئةً لقبول البرامج النافعةِ سواء كان ذلك في الإجازة أو غيرها ، وإنما كان التركيزُ على الإجازة لكثرة الفراغ وتنوع البرامج الرسمية والأهلية والعائلية ، وحسبي هنا أن أذكر بشيء من هذه الوسائل ومنها: