فهرس الكتاب

الصفحة 7964 من 9994

إنَّ هؤلاءِ الأعداءِ لم يستطيعوا إخفاءِ ما في نفوسهم المريضةِ من حقدٍ على الإسلامِ وخوفٍ منه، في الوقتِ نفسهِ، فقال أحدهم: (إنَّ أخشَى مَا نخشاهُ أن يظهرَ في العالمِ العربي محمَّدٌ جديد) ، وقال آخر: (إنَّ القوة التي تكمُنُ في الإسلامِ هي التي تُخيفُ أوربا ) ، ويقولُ ثالثٌ منهم: (نحنُ فقط نخشى الإسلامُ هذا الماردُ الذي نامَ طويلاً وبدأ يتململُ من جديد) .

ولكُم أن تتساءلوا لماذا كلُّ هذا الخوفُ من الإسلام ؟ ليكونَ الجوابُ: لأنَّ الإسلامَ دينُ الفطرةِ والخصالِ المتميزةِ، والمحاسنِ التي لا تُرضيهم، فهو دينٌ سريعُ الانتشارِ لِقَبولِ الفطرِ له، واستسلامهم ليُسرهِ وعدله، وهو دينٌ يدعو إلى تكثيرِ النَّسلِ كما قال صلى الله عليه وسلم: (( تزوَّجُوا الودودَ الوَلودَ، فإنِّي مُكاثرٌ بكم الأمم يومَ القيامَة ) )ولهذا لجَأَ أعداءُ الإسلامِ ومن تبعهم من المخدُوعين إلى مُخطَّطِ تحديدِ النَّسلِ بينَ المسلمينَ خاصّة، وإلزامُ القانونِ شعوباً مسلمةً بعددٍ قليلٍ لا يُتجاوز من الأولاد .

ومما يُرهبُ أعداءَ الإسلام: رفْعُ رايةِ الجهادِ في سبيلِ الله ، فهو ذروةُ سنامِ الدين ، وهو عزُّ المسلمين، وما تركَ قومٌ الجهادَ إلاَّ ذلُّوا ، يقول صلى الله عليه وسلم: (( إذَا تبايَعتم بالعِينَةِ وأخذْتُم أذنابَ البَقَرِ ورَضِيتُم بالزَّرْعِ وتركتُم الجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيكُم ذُلَّاً لا يَنْزِعُهُ حتَّى تَرجِعوا إِلى دِينكُم ) ) [1] .

وتأمل في واقعِ المسلمينَ اليوم: لماذا هانُوا على الناسِ ؟ ولماذا شرذمةٌ مشرَّدةٌ من يهودٍ يحتلونَ أرضاً مقدسةً فيها مسرى رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وفيها أولى القبلتين، ويقتُلونَ ويُفسِدون على مرأى من العالم ومسمع ؟

والجوابُ في قولهِ تعالى: (( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ) (سورة الرعد:11) .

وفي قوله: (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) ) (سورة الشورى:30) .

حينما هجرَ كثيرٌ من المسلمينَ كتابَ اللهِ، وحكَّموا قوانينَ الكفرِ والإلحادِ في عبادِ اللهِ، ونبذوا شرعَ الله، وتهاونُوابالصلاةِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، ووالَوْا أعداءَ اللهِ وتشبَّهوا بهم ،أُصيبوا بذُنُوبهم،وما أهونَ الخلقِ على اللهِ إذا أضاعوا أمرهُ وعطَّلوا شرعه .

عبَادَ الله: استقيموا على دينِ الله، وعظِّموا شعائرَ اللهِ ، واجتهدوا في الدعاءِ على أعداءِ الله، وادعُوا للمستضعفين من المسلمينَ في الأرض، وأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاة، وأطيعُوا الرسولَ لعلكم تُرحمون، مُروا بالمعروفِ وانهوا عن المنكر، وربُّوا أبناءَكم على حبِّ اللهِ ورسولهِ وكتابهِ المُنزل، ولا تترُكُوهم فريسةً لوسائلِ الإعلامِ، التي لا تَأْلُوا جُهداً في هدمِ صرحِ الفضيلةِ وتأجيجِ الغرائزِ، وتعليمِ الفسادِ والانحراف .

أيُّها المسلمُون: ومع هذا الواقعُ المريرِ فإنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وهو ناصرٌ دينهُ طالَ الزمانُ أو قَصُرَ، فهذا وعدُهُ الحق، (( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) ) (غافر:51) ، (( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ) (الصافات:173) ، (( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (الحجَ:40) ، ويقول صلى الله عليه وسلم: (( لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يقاتلَ المسلمونَ اليَهودَ ، حتَّى يختبئَ اليَهوديُّ مِن وَرَاءِ الحَجَرِ والشَّجَرِ: يَا مُسلم هَذا يهوديٌّ خلفِي تَعَال فاقْتُلْهُ ، إلاَّ الغَرْقَدُ فإنَّه مِن شَجَرِ اليَهُودِ ) ) [2] .

اللهمَّ صل وسلم على نبينا محمدٍ وآلهِ وصحبه، اللهمَّ طهِّر المسجدِ الأقصى من اليهودِ المُعتدين، واقطع دابرَ المفسدين.

[1] أخرجه أبو داوود 3/740 من حديث ابن عمر

[2] متفق على صحته .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ، ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) .

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) .

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

أيَّها المسلمون: يقول الله تعالى: (( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) (لأنفال:26) .

ولا أجدُ أبلغَ من هذه الآيةِ العظيمة تُلخصُ الحالةَ البائسة، التي كان عليها العربُ في جاهليتهم، فهم كما وصفَ اللهُ تعالى يعانون قلةً وضعفا، ويشتكون خوفاً ورعباً، أوجعتهم الحروب العصبية، ومزقتهم الثارات الجاهلية، دأبهُم السلبُ والنهب، ود يدنُهم الظلمُ والغصب، فكانت الأمةُ العربية أمةً ضعيفةً، ممتهنة، لا حضارةَ لها ولا مجد، ولا سيادةَ لها ولا رفعة، ولم يكن لها أيُ تأثير يُذكر في مُجرياتِ الأحداث، في ذلك الزمان الذي تنازعت في السلطة حضارتان وثنيتان، وقوتان عظيمتان، هما فارس والروم، والتي لم تتعد نظرتُهما إلى العرب عدا أنَّهم قومٌ من الرُعاعِ المتخلفين، والجوعى البائسين.

يقول قتادةُ - رحمهُ الله-: ( كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناسِ ذلاً، وأشقاهُ عيشاً، وأجوعَه بطوناً، وأعراهُ جلوداً، وأبينَهُ ضلالاً، مقهورين على رأس حِجْرٍ بين الأسدين - فارسَ والروم - ولا واللهِ ما في بلادِهم يومئذٍ من شيءٍ يحسدون عليه، من عاشَ منهم عاش شقياً، ومن مات منهم رُدِّي في النار، يُؤكلونَ ولا يَأكُلون، واللهِ ما نعلمُ قبيلاً من حاضرِ أهلِ الأرضِ يومئذٍ كانوا أشرَّ منزلاً منهم، حتى جاءَ اللهُ بالإسلام، فمكنَّ به في البلاد، ووسعَ به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقابِ الناس) انتهى كلامه رحمهُ الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت