فهرس الكتاب

الصفحة 8145 من 9994

ألا فلا تسودوا الصحائف بعد بياضها، ولا تراكبوا الذنوب بعد غفرانها، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بعد أن أعتق الله رقابكم من النار، ولا تستبدلوا الأدنى بالذي هو خير، والسعيدُ حقاً من استفاد من الفرص والمناسبات واستقام على الخير والهدي في هذه الحياة .

وأختم الحديث بتنبيه تدعوا الحاجة إليه في مثل هذه الأيام حيث تكثر الرحلاتُ البرية، وربما عادت الأسرة بالحزن والأسى بدل الفرحة والسرور، ذلك حين تسرف الأسرة في لعب أطفالها، ولاسيما اللعب في الدراجات النارية التي تشهد المستشفيات على ضحاياها، فهذا كسير وهذا جريح وثالثٌ في غيبوبة، وربما وصل الخطر إلى الوفاة، فتنَزَّهوا ولا تسرفوا وحافظوا على فلذات أكبادكم، ولا تعرّضوهم للمخاطر، ومثل ذلك وأخطر اللعبُ بالسيارات بحركات هستيرية خطرة، فاحذورا ذلك كلَّه

تلكم وقفتان حريتان بالتأمل أثر هذه الأيام الفاضلة وفي أعقاب الحج والعمرة أردت أن أذَكِّر نفسي وإخواني بهما لمزيد العناية بهما، والاستمرار عليهما، استرشاداً وتحقيقاً لقوله تعالى: (( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ) (الحجر:99) .

اللهم ارزقنا الهداية والاستقامة وعافنا من الحور بعد الكور ، وتقبل منا ومن إخواننا المسلمين ، واجعل حجنا مبروراً وسعينا مشكوراً .

[1] الحديث رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، صحيح الجامع (5/184)

الحمد لله (( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ) (الأعراف: 185) .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) ) (الأنعام: 3) .

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.

أما بعد فيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة. فكونوا أيها المؤمنون صادقين في أقوالكم وأعمالكم وصادقين في معاملاتكم من بيع وشراء وأخذ وإعطاء لعلك تهتدون.

معشر المسلمين: حديثي إليكم عن بعض المعاملات في البيع والشراء ويتضمن هذا الموضوع النقاط التالية: حكم العربون في البيع والتأجير، وما هو بدل الخلو أو ما يسمى بخلو القدم وما حكمه، وعن تحريم الاحتكار والغش في البيع والشراء، وعن بعض ما ينبغي أن يكون عليه البائع.

أيها المسلمون: إذا اشترى شخص سلعةً ما كسيارة مثلا أو استأجر محلاً مثلاً فدفع مقدماً مبلغاً من المال أو غيره فهذا المقدم هو العربون على أنه إن تم البيع أو الاستئجار فإن هذا العربون يحتسب من المبلغ الكلي وإن تنازل عن الشراء أو الاستئجار فإن هذا العربون يكون من حق البائع أو المؤجر. هذا هو المتعارف عليه في هذه المسألة فهل هذا العربون المدفوع مقدما يكون من حق البائع والمؤجر أم ليس لهما فيه حق. في هذه المسألة خلاف بين العلماء على قولين: منهم من منع أخذ العربون لأنه أخذ بدون مقابل فيكون من أكل المال بالباطل، ومنهم من أجاز أخذه بدلاً من تفويت الفرصة على البائع أو المؤجر وقد قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة موتمره الثامن على ألف وأربعمائة وأربعة عشر للهجرة النبوية في هذه المسألة ما يلي:

أولاً: المراد من بيع العربون هو بيع السلعة مع دفع المشتري مبلغا إلى البائع على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن وإن تركها فالمبلغ للبائع ويجري مجرى البيع الإجارة لأنها بيع المنافع.

ثانياً: يجوز بيع العربون إذا قيدت فترة الانتظار بزمن محدود ويحتسب العربون جزءاً من الثمن إذا تم الشراء ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء. (ص216 عدد 19 مجلة البحوث الفقهية المعاصرة) .

أيها المسلمون: وحيث قد ثبت جواز العربون في البيع والتأجير وخاصة إذا قيد بفترة محددة إلى أنه ينبغي إرجاعه إلى صاحبه المتنازل بقدر الإمكان إقالة له حيث طلب ذلك ولربما رزق البائع أو المؤجر خيراً بسبب إقالته لهذا النادم مع ما فيه من الأجر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أقال مسلماً أقاله الله عثرته يوم القيامة ) ) [1] .

أيها المسمون: مما نهي عنه في مجال البيع والشراء الاحتكار من أجل غلاء الأسعار قال ابن سيده رحمه الله: الاحتكار هو جمع الطعام ونحوه مما يؤكل واحتباسه انتظار وقت الغلاء لبيعه. وقد يدخل في هذا كل شيء تشتد حاجة الناس إليه ويستعملونه في حياتهم ويتضررون من حبسه عنهم.

قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة عليهما رحمة الله: كل ما أضر بالناس حبسه فهو احتكار وإن كان ذهباً أو ثيابا. ص35 آداب السوق في الإسلام عبد الحفيظ فرغلي القرني.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يحتكر إلا خاطئ ) ) [2] .

أيها المسلمون: ومما نهي عنه في مجال البيع والشراء الغش في البيع والشراء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( مر النبي صلى الله عليه ومسلم برجل يبيع طعاما فأعجبه فأدخل يده فيه فرأى بللا فقال ما هذا؟ قال أصابته السماء فقال: فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا ) ) [3] .

فالواجب على التجار وأصحاب الأعمال وغيرهم النصح للمسلمين وعدم الغش وذلك بأن يبينوا للمشتري ما ظهر وما خفي من بضائعهم وألا يكتموا منها شيئا فإن أخفى البائع أقل عيب فيها كان غاشاً وتاركاً للنصح في المعاملة ومتعرضاً لمحق البركة .

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ) ) [4] .

نسأل الله تعالى التوفيق إلى الصدق في القول والعمل والبعد عن الزلل.

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له يعلم ما تسرون وما تعلنون وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد فيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.

معشر المسلمين: ينبغي لمن وضع نفسه للتعامل مع الناس في البيع أن يتفقه في دين الله في مجال المعاملات قال عمر رضي الله عنه لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في الدين.

ومن أثر التفقه في الدين الغض من البصر عند رؤية النساء وحسن المعاملة مع المتسوقين ومن ذلك التيسير عن المعسرين وإقالة النادمين.

ومن ذلك عدم الغفلة عن ذكر الله قال تعالى: (( رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ) (النور: 38,37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت