فهرس الكتاب

الصفحة 8495 من 9994

فأولئك الساجدون الراكعون التالون لكتاب الله الذاكرون له آناء الليل وأطراف النهار إنما هم عقلاء نظروا شديد عذاب الله ، وعظيم بطشه ، نظروا إلى جهنم وظلماتها في كتاب ربهم وسمعوا شهيقها وزفيرها، وأقلقتهم صيحات المذنبين ، وعويل الغافلين ، فرحموا أنفسهم من سوء المنقلب ، ومغبة العقاب فسعوا في فكاك رقابهم . أولئك المجاهدون الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وساروا بأموالهم وأنفسهم إلى ساحات الجهاد وألقوا بمهجهم بين يدي ربهم يسألونه رضاه ، ويطعمون في جنته، إنما رحموا أنفسهم من النيران ، وأشفقوا عليها أن تحرم الجنان ..

(( وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين ) ).

والذين ينفقون أموالهم في السراء والضراء والذين يؤتوا ما آتوا وقلوبهم وجلة والذين يكثرون الصدقات إنما يجودون على أنفسهم ويرحمونها .

(( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) ) (الانسان:10.9) .

فخوفهم على أنفسهم ورحمتهم بها هو الذي شغف قلوبهم بالإحسان ، فمدوا بالخير أيديهم ، علموا أن كلاً يأتي في ظل صدقته يوم القيامة فألئك هم الراحمون ... والذين يعفون عن ظلم الناس ، ويكفون عن أعراضهم ، إنما يرحمون أنفسهم من عسير الحساب ، وسوء المآب ، إنهم يخافون على حسناتهم أن تذهب لغيرهم ، بما ظلموهم أو اغتابوهم .

أما المتهاونون في المعاصي فإنما يوبقون أنفسهم ، والباخلون بأنفسهم على الجهاد إنما يبخلون عليها بالجنة ، والأشحة الممسكون عن الإحسان والصدقة والبر إنما يبخلون على أنفسهم بمضاعفة الأجر وبركة المال ويبخلون بظل عرش الرحمن الذي وعده المحسنين . وإن من الجور على النفس أن تترك أيامها تضيع عليها سدى فيذهب عمرها هدراً .

الخطبة الثانية

واعلموا أن من صور ظلم النفس حرمناها أسباب الهداية ، وتفويتها فرص العلم النافع، والوعظ الصادق ، وتركها غافلة سادرة فلا تفيق إلا على نزع الموت .

(( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) ) (المؤمنون:103:99) .

أولئك الذين أوبقوا أنفسهم وأهلكوها ، فما ضروا سواها ، وما آذوا غيرها ، فالزاهدون في النظر في كتاب الله وسنة نبيه ، والمعرضون عن المذكرين بالله وجنته وناره ، الصادين عن العلم النافع وأنديته يظلمون أنفسهم لأنهم يحرمونها من أسباب الحياة ، ويوصدون أمامها أبواب النجاة ، فالنفس إن لم تسمع واعظ الخير تصبح نهباً لوساوس الشيطان ، طريحة لإغراءات الدنيا وزخارفها ، فلا علم يدلها على الخير ، ولا واعظ يحذرها الشر فهي نفس مظلومة محرومة ضعيفة هابطة ... ثم إن الله عز وجل يدعو عباده الذين تورطوا في ظلم أنفسهم بل وبالغوا في ذلك أن ينزعوا عن ظلمها وأن يكفوا عن إيذائها (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ) (الزمر:53) .

ثم يسمعهم الله صيحات الأنفس المظلومة وعويل المهج المحرومة عليهم يشفقون على أنفسهم (( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) ) (الزمر:58,55) .

ثم يأتي الرد (( بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) ) (الزمر:59) .

أجل قد كانت بين يديك آيات بينات لقد كانت أبواب الهداية والاستقامة أمامك مفتوحة ولكنك أعرضت عنها فلا يغني عنك صاحبك اليوم شيئاً إذ ظلمت نفسك وأهلكتها .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت