فهرس الكتاب

الصفحة 8940 من 9994

قال النووي: (التهجير: التبكير إلى الصلاة، أيّ صلاة كانت. قال الهروي وغيره:وخصه الخليل بالجمعة، والصواب المشهور: الأول) [3] .

وقال ابن أبي جمرة: (فيه دليل على أن ال0.مسابقة تكون حساً ومعنى. فهنا تكون معنى لا حساً، فإن المسابقة على الأقدام حساً تقتضي الجري والسرعة. والجري هنا والسرعة ممنوعان من حديث آخر . . . فلم يبق هنا إلا أن تكون معنى وهي الشغل بمراقبة الوقت) [4] .

إن المبادرة إلى المساجد دليل على تعظيم الصلاة وتعلق القلب بالمسجد، وعلى قدر الطاعة عموماً في نفس المصلي، وعلى أن الصلاة مقدمة عنده على كل شأن من شؤون حياته، وهذا - والله - عنوان الفلاح وعلامة الصلاح.

قال الله تعالى: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ) (النور:36-38) .

إن الإنسان ما دام حياً فهو مشغول بجسمه وعقله كلّ بحسب حاله. ولكن لا شغل عند حضور الصلاة عن الصلاة لمن وفقه الله تعالى لطاعته ورزقه تعظيم شعائره، فقدم طاعة مولاه ومراده ومحبته على مراده ومحبته، فسارع إلى الخيرات ونافس في نيل القربات، وازداد يقينه بأن من تعظيم الصلاة الإتيان إلى المسجد قبل الإقامة.

ولقد كان السلف الصالح على حرص شديد على صلاتهم، يبادرون إليها مهما كان الأمر؛ لأنهم عرفوا قدرها عند خالقهم، فصار ذلك سجبة لهم وخلقاً، وإليك طرفاً من أخبارهم، فنعم القدوة هم بعد نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.

ذكر الإمام ابن المبارك عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: (ما دخل وقت صلاة قط حتى اشتاق إليها) [5]

ولم يكن - رضي الله عنه - يشتاق إلى الصلاة فحسب، بل كان يستعد لها ويحضر إلى المسجد قبل الإقامة، فقد ذكر الحافظ الذهبي عنه أنه قال: (ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء) [6]

وهذا الأحنف بن قيس رحمه الله قيل له: إن فيك أناة شديدة! فقال: (قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها) [7] .

وكان سعيد بن المسيب رحمه الله يحضر المسجد قبل الأذان واستمر على ذلك مدة لا تقل عن ثلاثين سنة؛ فقد روى الإمام ابن أبي شيبة عن سعيد ابن المسيب قال: (ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد) [8] .

ونقل ابن سعد عنه أنه قال: (ما سمعت تأذيناً في أهلي منذ ثلاثين سنة) [9] .

ولم تفته صلاة الجماعة طيلة أربعين سنة، فقد روى ابن سعد - أيضاً - عنه أنه قال: ما فاتته صلاة الجماعة منذ أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم [10] .

وكان الأعمش رغم كبر سنه يحرص على التكبيرة الأولى.

فقد قال وكيع: (اختلفت إليه قريباً من سنتين ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى) [11] .

وكان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له: (الصفّي) ؛ لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة [12] .

وهذا إبراهيم بن ميمون المروزي أحد الدعاة المحدثين الثقات من أصحاب عطاء بن أبي رباح، وكانت مهنته الصياغة وطرق الذهب والفضة. قالوا: (كان فقيهاً فاضلاً من الأمّارين بالمعروف) . قال ابن معين: (كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردّها) [13] .

قال قاضي الشام سليمان بن حمزة المقدسي، وهو من ذرية ابن قدامة صاحب كتاب (المغني) : (لم أصلّ الفريضة قط منفرداً إلا مرتين، وكأني لم أصلهما قط) مع أنه قارب التسعين [14] .

[1] تفسير ابن سعدي (1/112) .

[2] أخرجه البخاري (590) ومسلم (437) .

[3] شرح مسلم (4/402) ، وانظر فتح الباري (2/97) .

[4] بهجة النفوس لابن أبي جمرة (1/214) .

[5] كتاب الزهد (ص 460) .

[6] سير أعلام النبلاء (3/164) .

[7] طبقات ابن سعد (7/96) .

[8] المصنف (1/351) .

[9] طبقات ابن سعد (5/131) .

[10] المصدر السابق.

[11] تهذيب التهذيب (4/196) .

[12] المصدر السابق (1/391) .

[13] المصدر السابق أيضاً (1/151) .

[14] ذيل طبقات الحنابلة (2/365) ، وانظر كتاب (الرقائق) للأستاذ محمد أحمد الراشد (ص 24) .

تأتي الإجازة كل عام بعد انقضاء العام الدراسي ونهاية أوقات الاختبارات . والمنتسبون للتعليم من مدرسين وطلاب يتطلعون لهذه الإجازة ويرقبون مجيئها بكل تلهف، لأنهم يرون أنهم بحاجة إلى ما يزيل عنهم عناء التعب والإرهاق طوال العام الدراسي، ثم خاتمة ذلك أيام الاختبارات. ولهذا تجد الناس يرتبون أمورهم لقضاء هذه الإجازة، وقد اتخذوا أنماطاً متعددة من السلوك وتحقيق الرغبات والسعي فيما يُقضى فيه هذا الفراغ ، وصارت هذه الترتيبات تتنوع ويزداد تنوعها شيئاً فشيئاَ من عام لآخر.

ولا ريب أن الفراغ نعمة من الله تعالى على عباده، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ) [1] .

والفراغ لا يبقى فراغاً أبداً ،بل لابد له أن يُملأ بخير أو بشر، ومن لم يُشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، وقد تنقلب نعمة الفراغ نقمة على صاحبها إذا لم يحسن الاستفادة من فراغه ، ويشتد خطر الفراغ إذا اجتمع معه شباب يتميز بقوة الغريزة، وجِدَةٌ: وهي القدرة المالية التي تمكن الإنسان من تحصيل ما يشتهي .

ومن هنا اهتم المربون والخطباء - ولا سيما في زماننا هذا - في موضوع إجازة العام الدراسي ، وراحوا يصفون للناس أفضل السبل وأنفع الطرق لقضاء هذه الإجازة،حتى تتم الاستفادة منها ، وقد رأيت أن أساهم في ذلك بالوقفات التالية:

الوقفة الأولى: مع قيمة الوقت:

إن الوقت - وهو الزمن الذي يعيشه الإنسان - نعمة عظيمة ومنحة كبرى . ذكرها الله تعالى في مواضع من كتابه ، ممتناً بها على عباده ، ليستفيدوا منها، قال تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) ) (الفرقان:62) .

أي: جعل الليل يخلف النهار ، والنهار يخلف الليل ، توقيتاً لعبادة عباده له ، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل [2] .

وقد تقدم حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) )وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً: (( اغتنم خمساً قبل خمس - ومنها- فراغك قبل شغلك ) ) [3] .

إن هذه النصوص تدل بوضوح على عظم هذه النعمة - نعمة الزمن وهو الليل والنهار ، ساعات العمر ولحظاته التي يعيشها الإنسان مدة حياته .ولكن هذه النعمة لا يدرك قدرها ويستفيد منها إلا الموفقون من عباد الله الصالحين، الذين يعرفون قيمة العمر وثمن الحياة ، فالمستفيد من نعمة الزمن هم القلة من خلق الله . وأكثر الناس مغبونون، تراهم يقتلون الأوقات، وينفقونها فيما لا نفع فيه ، أو ما فيه ضرر في العاجل أو الآجل .

والمراد بالفراغ: خلو الإنسان من المشاغل والمعوقات الدنيوية المانعة من الاشتغال بالأمور الأخروية ، فذلك نعمة جُلّى ولا يدخل في ذلك السعي في طلب الرزق ما دام ذلك لا يعطل عن القيام بحق الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت