أما التجار فلهم ميدان رحب في المساهمة في إصلاح الشباب بأموالهم، وذلك بدعمهم للمشاريع والبرامج والمراكز النافعة، وتحية لأولئك التجار الذين فهموا، في دورهم واستثمروا أموالهم في دفع عجلة الخير، وفرق كبير بين هؤلاء وبين من طغت عليهم الأنانية، ولم يلتفتوا إلى مجتمعهم، ولم يساهموا في حماية أبناء المجتمع من حولهم، وكأن لسان حال بعضهم يقول: إنما جمعت هذه الأموال بجهدي وعرق جبيني، فكيف أقدمها رخيصة سهلة للآخرين، ويذكرنا هذا النوع الممسك من التجار بقصة الرجل الذي منع حق الله فيه وقال: إنما أوتيته على علم عندي؟ ولا يعفى من المسؤولية أصحاب الوجاهة والرأي، وأهل الفكر وأرباب المناصب، فكل يمكن أن يقدم شيئا لمجتمعه، ولا يسعه السلبية في الحفاظ على أغلى ثروات الأمة- وهم الشباب- فالكلمة الطيبة صدقة، والرأي المستنير لبنة في البناء، والتفكير المستديم في قضايا الشباب علامة الوعي وهو الطريق الأمثل للعلاج ومجرد النقد لذات النقد ولي زمنه، وينبغي أن يترفع العقلاء عن مقارفته، إذ يوجد فئة من لا هم لها إلا انتقاد هذا الشاب أو التقليل من قيمة هذا المشروع دون أن يقدموا بدائل مفيدة ومثمرة وبوركت يا شيخنا الجليل، ويا سماحة والدنا العزيز وأنت
تكتب رسالة إلى جميع هذه الفئات مذكرا الجميع بواجبهم ومسئولياتهم ولعل الجميع قد اطلع على الخطاب الذي وجهه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله إلى عموم العلماء والدعاة والتجار وأصحاب الوجاهة والرأي للمساهمة في إصلاح الشباب وتربيتهم بشكل عام وفي الإجازات الصيفية ودعم مراكزها بشكل خاص. وهو خطاب لا يبقي لأحد عذرا في التخلي عن المساهمة بما يستطيع.
أيها المسلمون: أرأيتم لو قام كل فرد منا بدوره الذي يستطيع وأدت هذه المؤسسات والجهات رسالتها على الوجه المطلوب هل يوجد بيننا شاذ أو منحرف، بل وهل يوجد في مجتمع كهذا فرصة لشاب غير جاد يبحث عن قضاء وقته بأي شكل كان، وأنى لمنحرف أن ينحرف وهو يجد العناية والاهتمام تلازمه أينما حل، ويجد التربية والتوجيه يحيط به أينما رحل، ويجد الجدية شعارا للمجتمع كله أينما نظر؟
إن تضافر المجتمع وتكامل المؤسسات في رسالتها عنوان وعي ودليل تحضر، وهو أنجح أسلوب للتربية المتكاملة فضلا عن الوقاية من السلوكيات المنحرفة، فلنتق الله معاشر المسلمين ولنتعاون على البر والتقوى، وليدرك كل شخص منا أنه معني بالحديث بما يستطيع، ولا يكن دور أحدنا إلقاء اللائمة على الآخرين، أو التباكي على واقع الشباب المنحرفين .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السع وهو شهيد .
الحمد لله الواحد القهار ، نحمده سبحانه (( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) ) ( المؤمنون: 80 ) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ ) ) ( الحشر: 23 ) .
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد المصطفَين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه الأبرار، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء والقرار.
أما بعد: فيا أيها المسلمون اتقوا الله تعالى، وخذوا حذركم من مغبة الذنوب والمعاصي، فإن مغبتَها وخيمة، وعاقبتَها أليمة.
معشر المسلمين: إن الإنسان إذا عصى الله تعالى وعصى رسوله
صلى الله عليه وسلم فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر الله شيئا ، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (( يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضَري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ) ) [1] .
وقال سبحانه في كتابه العزيز: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) ) ( محمد: 32 - 33 ) .
أيها المسلمون: إن للذنوب والمخالفات آثارًا وعواقب على الأفراد والمجتمعات.
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه ( الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ) : (( فمما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر،
وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا شر ولا داء إلا وسببه الذنوب والمعاصي ؟! فما الذي أخرج الوالدين من الجنة ؛ دار اللذة والسرور، والبهجة والحبور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب ؟! وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء..
وبدل بالقرب بعدا ، وبالرحمة لعنة .. وبالجنة نارًا تلظى ؟! وما الذي أغرق أهل الأرض كلَهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال ؟! وما الذي سلط الريح العقيم على عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية ؟!
وما الذي أرسل على ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبه في أجوافهم ، وماتوا عن آخرهم ؟!
وما الذي رفع قرى قوم لوط حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم ، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعًا ، ثم اتبعهم حجارة من سجيل منضود أمطرها عليهم ؟! فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، وما هي من الظالمين ببعيد، وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم
نارًا تلظى ؟!
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ؟!
وما الذي خسف بقارون وداره الأرض ؟!
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات، ودمرها تدميرا ؟! .. ( ص 37 ـ 38 بتصرف ) .
إنها الذنوب والمعاصي أيها المسلمون ، والإعراض عن دين الله ،
جزاءً وفاقًا .
قال تعالى: (( فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) ( العنكبوت: 40 ) .
أيها المسلمون: من أضرار الذنوب و آثارها السيئة أنها تفسد القلب حتى تعميه وتغطيه وهو المعبر عنه بالران الذي أخبر الله عنه بقوله: (( َلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) (المطففين: 14) .
قال الحسن رحمه الله: (هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب) .
وإذا كان كذلك فإن صاحبه يصبح لا ينكر منكرا ولا يفعل ولا يقول إلا ما يهواه قلبه الفاسد ـ عياذا بالله من ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم واصفا من هذه حاله: (( فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ) ) [2] .
ومن آثار المعاصي هوان العاصي على الله ، وإذا هان على الله فمن يكرمه قال تعالى: (( وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ) ) ( الحج: 18)
كما أن المعاصي تورث الذل والصغار ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ) )ذكره البخاري تعليقا وقال الحسن- رحمه الله- عن العصاة المترفين: ( أنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي رقابهم ، أبى الله إلا أن يذل من عصاه) .
وقال المعتمر بن سليمان رحمه الله: ( إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته ) .