ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدجال في صورته - رؤيا عين ليس رؤيا منام - وسئل عن الدجال ؟ فقال: [ فيلمانيا ] أي ضخما عظيما، أقمر هجانا (يعني أبيض) إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعره أغصان شجرة، ورأيت عيسى شابا أبيض، جعد الشعر، حديد البصر، مُبَطَّنَ الخلق (أي ضامر البطن) ، ورأيت موسى أسحم آدم كثير الشعر، شديد الخلق، ونظرت إلى إبراهيم، فلا أنظر إلى إرب من آرابه إلا نظرت إليه مني، كأنه صاحبكم ».
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: « وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد، كأنه من رجال شنوءة ، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم، ( يعني: نفسه) ، فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد: هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام » .
قال بن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:« لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة، فظعت بأمري (أي: اشتد علي وهبته) وعرفت أن الناس مكذبي، قال: فقعد - صلى الله عليه وسلم - حزينا، فمر به عدو الله أبو جهل، فجاءه حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء ؟، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم، قال: ما هو ؟
قال:إنه أسري بي الليلة.
قال أبو جهل: إلى أين ؟
قال - صلى الله عليه وسلم -: إلى بيت المقدس.
قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟.
قال: نعم .
قال بن عباس: فلم يره أبوجهل أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه.
قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: نعم .
فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي، فانتفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.
قال أبو جهل يا محمد: حدث قومك بما حدثتني.
فقال الخليل المصطفى محمد - صلى الله عليه وسلم: « إنه أسري بيَ الليلة » .
قالوا: إلى أين ؟ قال: إلى بيت المقدس.
قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟.
قال: نعم.
قال بن عباس: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه، متعجبا للكذب زعم.
قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد.
قال - صلى الله عليه وسلم: « فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، فلقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكُربت كُربة ما كُربت مثْلَها قط، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فرفعه الله لي أنظر إليه فطفقت أخبرهم عن آياته، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب » .
صلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول و عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول و عمل.
أقول هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلقد ذكر الحافظ بن كثير غفر الله له خلاصة ما تقدم من الأحاديث والآثار فقال:"والحق أنه، عليه الصلاة السلام أسري به يقظة لا منامًا، من مكة إلى بيت المقدس، راكبًا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين. ثم أتي بالمعراج - وهو كالسلم ذو درج يُرقى فيها- فصعد فيه - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مرّ بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما - صلى الله عليه وسلم - وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، أي: أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمةٌ عظيمة، من فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هنالك جبريل على صورته، وله ستُمائةَ جناح، ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسندًا ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هناك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه ولطفًا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مرّ بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا وهو يخبره عنهم، ثم أظهر عزوجل شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، ثم خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع - فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ويحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا؛ لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم... اهـ."
قال الحافظ بن دحية: قد تواترت الروايات في أحادث الإسراء وأجمع عليه المسلمون ، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } .
فمن أحب النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فليتمسك بسنته فإنه هو القائل: « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة » .
ومن البدع التي أحدثت الإحتفال بليلة الإسراء والمعراج، مع ما في تحديد هذه الليلة من خلاف بين أهل العلم.
فإن الإحتفال بهذه الليلة بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولو كان خيرا لسبقنا إليه النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الأخيار والتابعون لهم بإحسان.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي » .
اللهم ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، وللمؤمنين، يوم يقوم الحساب.
الله اغفر للمؤمنين والمؤمنات.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا، وسائر بلاد المسلمين.
اللهم من أرادنا وعلماءنا وولاة أمرنا وجنودنا بسوء، اللهم رد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه ياسميع الدعاء.
اللهم اهتك ستره، اللهم اهتك ستره، اللهم اهتك ستره.
اللهم مكن منه جنود الإسلام وعسكر القرآن اللهم اكفناهم بما تشاء إنك أنت السميع العليم.
اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
-الشيخ سلطان العيد
الخطبة الأولى