فهرس الكتاب

الصفحة 7917 من 9994

قال ابن القيم: (ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب ونيله أشرف المواهب علم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديته وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء .... وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين وهما التوسل بالحمد والثناء عليه وتمجيده والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين فالداعي به حقيق بالإجابة) [17] .

وهداية الله سبحانه وتعالى وسعت كل المخلوقات، فقد هدى سبحانه وتعالى جميع الأحياء إلى جلب مصالحها ودفع مضارها، قال تعالى: (( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) ) (طه: 50) .

وقال تعالى: (( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) ) (الأعلى: 3) . فهدى سبحانه كل مخلوق إلى ما لابد منه في قضاء حاجاته.

7-ختمت هذه الخطبة بثلاث آيات فيها الأمر بالتقوى والحث عليها، وتقوى الله هي أن يفعل العبد ما أمر الله سبحانه وتعالى به، ويجتنب ما نهى عنه، وهي وصية الله سبحانه وتعالى لعباده الأولين والآخرين قال تعالى: (( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ) ) ( النساء: 131) .

وقد أمر الله بتقواه في آيات كثيرة من كتابه الكريم ورتب على التقوى خير كثير في العاجل والآجل، فرتب عليها حصول العلم النافع قال تعالى: (( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ) ) ( البقرة: 282) .

ورتب عليها حياة القلوب وتمييزها بين الحق والباطل، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) ) ( الأنفال: 29) .

ووعد سبحانه المتقين بأن يجعل لهم من الشدائد والمحن مخرجاً ويرزقهم من حيث لا يحتسبون قال تعالى: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً الطلاق وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ) ( الطلاق: 3) .

فقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) ( آل عمران: 102) .

معناه: يا أيها المؤمنون تمسكوا بتقوى الله ومراقبته وخشيته حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال في معنى (( اتقوا الله حق تقاته ) ).

أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، أما قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ) ( النساء: 1) .

فالمراد بالنفس الواحدة هنا آدم عليه السلام، وكلمة (مِنْهَا) للتبعيض، والمراد بقوله تعالى: (زَوْجَهَا) حواء فإنها أخرجت من آدم عليه السلام، وقوله: (( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ) ) ( النساء: 1) .

المعنى: واتقوا الله الذي يسأل بعضكم بعضاً به، بأن يقول له على سبيل الاستعطاف: أسألك بالله أن تفعل كذا، أو أن تترك كذا، واتقوا الأرحام أن تقطعوها فلا تصلوها بالبر والإحسان، فإن قطعها وعدم صلتها مما يجب أن يتقى ويبتعد عنه، قوله: (( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) )أي حافظاً يحصي عليكم كل شيء ، و مطلع على جميع أحوالكم وأعمالكم، أما قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) ) ( الأحزاب: 70-71) .

فالقول السديد هو القول الصواب المتضمن للحق والصدق، مأخوذ من قولك: سدد فلان سهمه يسدده، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذي يقصده فأصابه، ومنه قولهم: سهم قاصد إذا أصاب الهدف ، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وراقبوه وخافوه في كل ما تأتون وما تذرون، وفي كل ما تقولون وما تفعلون، وقولوا قولاً كله الصدق والصواب، فإنكم إن فعلتم ذلك (( يُصْلِحْ ) )الله تعالى (( لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) )بأن يجعلها مقبولة عنده (( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) )أي يتجاوز عن ذنوبكم بتقواكم واستقامتكم في أقوالكم وأفعالكم، (( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) )أي بامتثال الأمور واجتناب النواهي (فَقَدْ فَازَ) في الدارين (( فَوْزًا عَظِيمًا ) )أي ظفر بخيري الدنيا والآخرة.

هذا والله أعلم .

[1] مجموع الفتاوى (6/83- 84)

[2] النهج الأسمى ( 1/272 ) .

[3] أخرجه مسلم ح (2664) .

[4] أخرجه أبو داود ح (1522) .

[5] ح (17577) .

[6] ح ( 6307 ) .

[7] ح (2702 ) .

[8] ح ( 4496 )

[9] ح ( 486 )

[10] أخرجه البخاري ح (6371) ، ومسلم ح (2706)

[11] أخرجه الترمذي ح ( 3451 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: حديث حسن غريب

[12] أخرجه البخاري ح ( 6369 ) ، ومسلم ح ( 2706 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

[13] زاد الميعاد ( 4/208 )

[14] جامع العلوم والحكم (2/40 ) .

[15] ح (770 ) .

[16] ح (2721) .

[17] مدارج السالكين ( 1/23 - 24 ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وأشهد أن لا إله إلا الله أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى إخوانه من الأنبياء، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسار على درب الهدى.

أما بعد:

فيقول الحق تبارك وتعالى: (( وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ ) ) ( النساء: 131) .

إخوة الإيمان:

ألا إن من تقوى الله تلاوة كتابه العزيز آناء الليل وأطراف النهار وتدبر آياته، والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه قال الله تعالى مثنيا على من كان ذلك (( لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) )آل عمران: 113).

وفي الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار ) ) ( [1] ) . والمعنى- كما قال أهل العلم- لا رخصة في الحسد، أو لا يحسن الحسد إن حسن إلا في هاتين الخصلتين ( [2] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت