أو لعل المقصود الغبطة، وهي تمني مثل ما عند الغير من غير رغبة في زوالها عنه، ولهذا بوب البخاري لهذا الحديث بقوله (( باب اغتباط صاحب القرآن ) )ثم أردف بعد هذا الحديث حديث صاحب النية الطيبة الذي تمنى إحدى هاتين الخصلتين له مع بقائهما لأصحابهما، فوسعه فضل الله، والله واسع عليم، وقصته كما رواها البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل ) ) ( [3] ) .
أخي المسلم ألست تبحث عن الخير في مظانه؟ إليك هذه الهدية وإن كنت لبيبا فاحفظها واعمل بها، يقول عقبة بن عامر رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة- وهو موضع في المسجد كان فقراء المسلمين يأوون إليه، ولذا سموا بأصحاب الصفة- فقال: (( أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق- وهما موضعان قرب ا!لمدينة- فيأتي منه بناقتين كوماوين- وهي العظيمة السمينة- في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قلنا: يا رسول الله، نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين أو ثلاث خير من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن اعدادهن من الإبل ) ) ( [4] ) ..
أخي المؤمن أنت طيب في معدنك، وكريم على الله لشمائلك وخلقك، لكن هل علمت أن القرآن يزيد في جمالك، ويزكي رائحتك؟يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب،ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ) ) ( [5] )
فإن قلت: فما الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة- مثلا- ؟ فقد قيل: إن الأترجة:
ا) يتداوى بقشرها وهو مفرح بالخاصية.
2)ويستخرج من حبها دهن له منافع.
3)وقيل إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين.
4)وغلاف حبه أبيض فيناسب قلب المؤمن.
ه) وفيها أيضا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها.
6)وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة هضم- ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات ( [6] ) -
وهل علمت- أخي المسلم- أن القرآن يزيد من قدرك، ويرفع شأنك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ) ).
فقد أخرج أبي داود- بإسناد صحيح- عن الأشعث بن قيس أنه قدم غلاما صغيرا، فعابوا عليه، فقال: ما قدمته ولكن قدمه القرآن ( [7] ) .
إخوة الإيمان، يكفي أن يعلم أن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، لكن ينبغي أن يعلم كذلك أنه ليس المقصود بأهل القرآن، من يقرأونه دون تمعن، أو يهذونه هذا كهذ الشعر دون تأمل لمعانيه، أو تدبر لآياته، أو التزام بأوامره وتجنب لنواهيه، قال الله تعالى: (( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ) ( محمد: 24) .
وقال تعالى: (( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) ) (ص 29) .
وقال تعالى: (( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) ) ( النساء: 82) .
وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينكرون على من يهذ القرآن هذا كهذ الشعر أو يتكلفون في قراءته، ففي صحيح مسلم عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف نقرأ هذا الحرف ألفا تجده أم ياء"من ماء غير آسن"أو من ماء غير ياس) قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة: فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر؟ إن أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن، سورتين في كل ركعة ( [8] ) .
وكان إمامهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مثالا حيا ونبراسا يحتذى في تأمله القرآن وتأثره به، ويكفي أن أسوق لك خبرة مع عبد الله بن مسعود نفسه حيث قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( اقرأ علي القرآن، فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، فقرأت النساء حتى إذا بلغت:
(( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً ) ) (النساء: 41) .
رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل )) ( [9] ) .
إخوة الإيمان:
هذه حال أسلافنا، فما بالنا نحن نقرأ القرآن كما يقرأ أي كتاب آخر لا تراق لنا دمعة، ولا تقف لنا شعرة؟ وفي القرآن الكريم مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، كما قال تعالى: (( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) ) (الزمر: 23) .
وهذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، فهم لما يفهمون من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر جلودهم خشية وخوفا، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلي ذكر الله لما يرجونا ويؤملون من رحمته ولطفه، وهم بذلك يختلفون عن الكفار، ومخالفون لأهل البدع الذين ربما ذهبت عقولهم وغشي عليهم بفعل الشيطان ( [10] ) .
ولأهمية قراءة القرآن بتدبر وتمعن جاء النهي عن كثرة قراءته إلى حد لا يفقه القارئ ما قرأ، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ) )وبإسناد صحيح آخر (( اقرءوا القرآن في سبع ولا تقرءوه في أقل من ثلاث ) ) ( [11] ) .
وقد ذمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من بلغها عنه خلاف ذلك فقالت: إن رجالا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثا فقالت: قرأوا أو لم يقرأوا، كنت أقوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة التمام، فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء فلا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب، ولا بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ ( [12] ) .
فهل يكون لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، نقرأ القرآن بتدبر وخشوع.. نداوي به جراحنا، ونصلح به ما أعوج من أخلاقنا وسلوكياتنا، ونصون به حمانا، وندافع به عن معتقداتنا، ونربي عليه أبناءنا، ونزكي به أنفسنا، وينصح به خاصتنا عامتنا، ويكون هو الفيصل في قضايانا، وإليه المرجع والتحاكم في صغير أمورنا وعظيمها.
إن ذلك هو الأليق بنا وهو الأمر الطبيعي في حياتنا وخلافه أمر شاذ في مجتمعاتنا
اللهم علمنا الحكمة والقرآن، وفقهنا في الإسلام، وادفع عنا غوائل مردة الإنس والجان... أقول هذا القول وأستغفر الله.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وآلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه.. صلى الله عليه وعلى آله وإخوانه.. وارض اللهم عن أصحابه وأتبا عهم إلى يوم الدين.