#من أحكام الذبائح (7) العتيرة
إعداد/ سعيد عامر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله
وصحبه ومن والاه، وبعد:
في حلقات حديثنا عن أحكام الذبائح بيّنا في الحلقة
السابقة حكم ذبائح أهل الكتاب، وفي هذه الحلقة نبين أحكام العتيرة،
فأقول:
أولاً: التعريف:
1-العتيرة لغة: أول ما ينتج، كانوا يذبحونها
لآلهتهم.
ذبيحة كانت تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية والمسلمون، فنسخ
ذلك.
يقول ابن الأثير: كان الرجل من العرب ينذرُ النَّذْر، يقول: إذا كان كذا
وكذا، أو بلغ شاؤُه كذا فعليه أن يذبح من كل عشرة منها في رجب كذا، وكانوا
يسمونها العتائر، وقد عَتَّر يَعْتر عَترًا إذا ذَبَح العتيرة، وهكذا كان في
صدر الإسلام وأوَّله، ثم نُسخ. اهـ (3/178)
قال الخطابي: العتيرة تفسيرها في
الحديث أنها شاةٌ تذبحُ في رجب، وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث ويليقُ بحكم
الدين. وأما العتيرة التي كانت تَعْتِرُها الجاهلية فهي الذبيحة التي كانت
تذبحُ للأصنام، فيصب دمها على رأسها.
[المرجع السابق]
2-العتيرة اصطلاحًا: لا
يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي: فقد جاء في لسان العرب: قال الأزهري:
العتيرة في رجب، وذلك أن العرب في الجاهلية كانت إذا طلب أحدهم أمرًا نذر: لئن
ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، فإذا ظفر به، فربما ضاقت نفسه عن ذلك
وضّن بغنمه، فيأخذ عددها ظباء، فيذبحها في رجب مكان تلك الغنم، فكأن تلك
عتائره.
وقد انفرد ابن يونس من المالكية بتفسير خاص. قال: العتيرة: الطعام الذي
يبعث لأهل الميت. [البدائع 5/69] . فالعتيرة: ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر
الأول من شهر رجب ويسمونها الرجبية.
3-حكم العتيرة:
كانت العرب في الجاهلية
تفعل بعض أفعال الخير، لكن بعقيدة خاطئة، فكانت مثلاً تذبح ناقة أو بقرة في شهر
رجب إذا بلغ ما يملكه أحدهم خمسين تقربًا إلى الأصنام، لتبارك لهم آلهتهم في
أنعامهم، ويوزعون اللحوم على الفقراء والمساكين، وتسمي هذا بالعتيرة أو
الرجبية.
وجاء الإسلام فحارب الشرك وحارب الذبح للأصنام، لكنه لم يحارب توزيع
اللحوم على الفقراء والمساكين، ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا فَرْعَ ولا عتيرة» .
أ-
استحباب العتيرة:
روى الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وأحمد من
حديث نبيشة رضي الله عنه قال: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا
كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا؟ قال: «اذبحوا لله في أي شيء
كان، وبروا الله وأطعموا».
وروى البيهقي بإسناده عن الحارث بن عمرو قال: أتيت
النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، أو قال: بمنى وسأله رجل عن العتيرة، فقال:
«من شاء عتر ومن لم يشاء لم يعتر» . ومن ذلك قالت الشافعية والحنابلة بإباحة
العتيرة.
ب- كراهية العتيرة:
قال الأحناف والمالكية بكراهة العتيرة، ففي الحديث
المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «لا فرع ولا عتيرة» .
وهو نفي في معنى النهي، يدل عليه ما في رواية
النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
الفرع والعتيرة.
قال النووي: الصحيح عند أصحابنا استحباب الفرع والعتيرة،
وأجابوا عن حديث: «لا فرع ولا عتيرة» بثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد نفي
الوجوب.
الثاني: أن المراد نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم.
الثالث: أن المراد
أنهما ليستا كالأضحية في الاستحباب أو ثواب إراقة الدم. فأما تفريق اللحم على
المساكين فبر وصدقة. وقد نص الشافعي أنها إن تيسرت كل شهر كان حسنًا.[شرح مسلم
وادعى القاضي عياض أن الأمر بالفرع والعتيرة منسوخ عند جماهير العلماء.
وقالوا: حديث أبي هريرة متأخر، فإنه أسلم في السنة السابعة من الهجرة.
وردّ بما
تقدم عن الحارث بن عمرو، فحديثه كان في حجة الوداع، وقد كانت بعد إسلام أبي
هريرة، وهو صريح في الإباحة.
وخلاصة القول: أن النهي ليس لأصل العتيرة، وإنما
لصفة العتيرة، فكان النهي لخصوص الذبح في شهر رجب قال الحافظ ابن حجر: وأما
الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من طريق أبي رملة عن مخنفٍ بن محمد بن سليم قال:
كنا وقوفًا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، فسمعته يقول: «يا أيها الناس،
على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة ؟ هي التي يسمونها
الرجبية». فقد ضعفه الخطابي، لكن حسنه الترمذي ويمكن رده إلى ما حمل عليه حديث
نبيشة: «اذبحوا لله في أي شهر كان» . [راجع الفتح (9/512) ]
وكذلك كان النهي لأن
الذبح كان لأصنامهم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم: لا عتيرة للطواغيت.
فأهل
الشرك كانوا يذبحون عن أهل البيت في رجب ويتقربون بها لأصنامهم، فكان النهي عن
ذلك وليس لأصل الذبح الذي لا يتقيد بزمن أو بشهر، ويكون لله رب العالمين، وقد