أما صاحب المعصية والبدعة ونحوها فهجره إنما يكون بحسب المصلحة، إذ قد تكون المصلحة في هجره مما يضطره للتوبة والعودة لجادة الصواب، وقد تكون المصلحة في مخالطته ونصحه والاستمرار معه حتى يتأثر ويتوب ويقلع عما هو متلبس به. وخير الناس في هذه الدنيا المسألة من غلب عليه إقتداؤه بنبيه صلى الله عليه وسلم وترجع جانب المصلحة على جانب العاطفة. فمن الناس من يكون أحد أبنائه مثلاً لا يشهد الجماعة، وقد لا يصلي مطلقاً، ومعلوم لدى الجميع مدى حساسية هذه المسألة وما ورد فيها من الأحاديث التي تنطق بكفر تارك الصلاة وتشهد على من لا يشهد الجماعة بالنفاق. فهنا تدرك هذا الوالد العاطفة وحب الولد فيزعم أنه يخالطه ويؤانسه للمصلحة المترتبة على ذلك، ونحن لا ننكر هذا، ولكن الحقيقة تنكشف حيث يتأثر أهل البيت بهذه الجرثومة الضارة والرجل لا زال مصراً على دعواه التي تثبت بطلانها من خلال موقفة الجبان ضد هذا الولد. وقد روى مسلم وأحمد والطيالسي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول:"لا تمنعوا نسائكم المساجد إذا استأذنًكم إليها"قال فقال ابنه بلال:والله لنمنعهن قال:فأقبل عليه عبد الله فسبه سباً سيئاً ما سمعته سبه مثله قط. وقال: والله لنمنعهن، وفي رواية لطيالسي قال: فرفع يده فلطمه وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول هذا، وفي رواية أحمد: فما كلمه عبد الله بن بريدة قال: رأى عبد الله بن المغفل رضي الله عنه رجلاً من أصحابه يحذف فقال له: لا تحذف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يكره أو قال ينهى عن الخذف فإنه لإيصاد به الصيد ولا ينكأبه العدو لكنه يكسر السن ويفقأ العين، ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له: أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يكره أو ينهى عن الخذف ثم أراك تحذف والله لا أكلمك أبداً. وقد هجر صلى الله عليه وسلم. كعب بن مالك مهاجيه خمسين يوماً كما هو موجوداً في الصحيحين وغير هما وصرح به القرآن في قوله تعالى (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) وذلك لأنهم تخلفوا عن الخروج في غزوة تبوك دونما عذر وهجر صلى الله عليه وسلم نساءه كذلك. وهذا موجود ومستفيض في كتب السنة.
قد قال شيخ الإسلام رحمه الله: الهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات والثاني بمعنى لعقوبة عليها فالأول هو المذكور في قوله تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأنعام68 وقوله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ) النساء140 فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات مثل قوم يشربون الخمر لا يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمه فيها خمر ومزامير لا يجيب دعوتهم وأمثال ذلك بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم.
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى يتوب منها كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر. وأما من أخفى معصيته كالمنافقين فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل علا نيتهم ويقل سرائرهم إلى الله عز وجل مع علمه صلى الله عليه وسلم بحال كثير منهم. وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به زجرُ المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله حتى لا يستعجل شره فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يقضي هجره إلى ضعف الشركات مشروعاً وإن لم يكن المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتلف قوماً ويهجر آخرين، وإن كان المتآلف أشر من المهجور، فإن المؤلفين في عهده صلى الله عليه وسلم كانوا سادة مطاعين في عشائرهم فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم مع أن المهجورين كانوا مؤمنين ككعب وأصاحبه .
والضابط في هذه المسألة: مراقبة العبد لربه سبحانه فإنه يعلم السر وأخفى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
أما بعد:
فإن الإنترنت ثورة كبرى في عالم المعلومات، وميدان فسيح لامتحان الإيمان والأخلاق بل والعقول.
فالخير مفتوح الأبواب، والشر معروض بشتى الأساليب، وبإمكان الذي يتعامل مع الإنترنت أن يطلق لسانه بما شاء، وأن يُسَرِّحَ بصرَه كما يريد، وأن يخط بيده ما يرغب؛ فلا حسيب عليه، ولا رادع له، ولا مُوْقِف له عند حد.
فإن تسامى واستعلى، ونظر في العاقبة، واستحضر رقابة ربه، وشهوده عليه - أفلح وأنجح، واقتحم تلك العقبة.
وإنْ هو أطلق لنفسه العنان، ومال حيث يميل الهوى، وغاب عنه رادع الإيمان ووازع التقوى - أوشك أن يرتكس في حمأة الرذيلة، ويسقط على أم رأسه في الحضيض، فلا يكون من رواء ذلك إلا إذلال النفس، وموت الشرف، والضعة والتسفُّل.
ولهذا كان حرياً بالعاقل أن يحسن التعامل مع الإنترنت، وأن لا يْفْرِطَ في الثقة في نفسه، فيوقعها في الفتنة، ثم يصعب عليه الخلاص منها.
وجديراً به إذا أراد أن يقدم أية مشاركة، أو مداخلة، أو ما جرى مجرى ذلك أن ينظر في جدوى ما يقدم، وأن يحذر من أذية المؤمنين، وإشاعة الفاحشة فيهم، وأن ينأى بنفسه عن القيل والقال، واستفزاز المشاعر، وكيل التهم، وتسليط الناس بعضهم على بعض.
وإذا أراد أن يعقب أو يرد فليكن ذلك بعلم، وعدل، ورحمة، وأدب، وسمو عبارة.
وإذا أراد أن يشارك فليشارك باسمه الصريح، وإن خشي على نفسه إن صرح باسمه، أو رغب في إخلاص عمله، فليحذر من كتابة ما لا يجوز ولا يليق، وليستحضر وقوفه بين يدي الله يوم تبلى السرائر.
وعلى العاقل كذلك أن يحذر خطوات الشيطان؛ فهو متربص ببني آدم، وقاعد لهم بكل سبيل؛ فهو عدوهم الذي يسعى سعيه في سبيل إغوائهم.
قال ربنا - تبارك وتعالى - في غير موطن في القرآن الكريم: ( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) .
فالعاقل اللبيب لا يثق بعدوه أبداً، ولا يلقي نفسه في براثن الفتن، ولا يفرط في الثقة مهما بلغ من العقل، والدين، والعلم.
ومن هنا تجده ينأى عن الفتن، ولا يستشرف لها؛ فإذا تعرضت له أُعِين عليها، وصاحبه اللطف الإلهي.
وإنْ هو وثق بنفسه، وسعى إلى حتفه بظلفه وُكِلَ إلى نفسه، وزال عنه اللطف.
فهذا يوسف - عليه السلام - لم يتعرض للفتنة، بل هي التي تعرضت له.
ومع ذلك لم يثق بإيمانه، وعلمه، وشرفه المُعْرِق، بل فر من الفتنة، واستعاذ بالله من شرها، واعترف بأنه إن لم يصرف الله عنه كيد النسوة صبا إليهن وكان من الجاهلين.
ولما كانت هذه هي حالَه صاحَبَهُ اللطف، وأُعِين على الخلاص من ذلك البلاء العظيم.
ومما يعين على تعدي هذه البلايا أن يخصص الإنسان وقتاً محدداً، وعملاً معيناً، وأن يكون له هدف واضح، ويتعامل من خلال ذلك مع الإنترنت.