فهرس الكتاب

الصفحة 4281 من 9994

#تعرف على الله في الرخاء

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة, الدعاء والذكر

مازن التويجري

الرياض

جامع حي النزهة

ملخص الخطبة

1-قصة يونس والعبرة منها. 2- وفي مقابلها قصة موت فرعون. 3- صورة من استغاثة الأنبياء بربهم واستجابته لهم. 4- قصة أصحاب الغار وفائدة العبادة في الرخاء. 5- أعظم شدة ننتظرها الموت فكيف نفرج هذه الشدة. 6- كل الصور التي ذكرنا موضوعها ودرسها من عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون:

كم مضى من عمر الحياة! وكم سلف من العصور! وكم تقلب من الدهور! أمم على إثرها أمم, وأجيال تعقب أجيالاً, ورجال على إثر رجال, أحوال متباينة, وصور متغايرة, وأمور تدار, والله يخلق ما يشاء ويختار.

فتعالَ نستخبر الخبر كي نستقي العبر

اسألوا التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون العبر

هذا يونس بن متّى نبي الله يسقط في لجج البحار فيبتلعه الحوت فهو في ظلمة جوف الحوت في ظلمة جوف البحر في ظلمة الليل, في ظلمات ثلاث, فلا أحد يعلم مكانه, ولا أحد يسمع نداءه, ولكن يسمع نداءه من لا يخفى عليه الكلام, ويعلم مكانه من لا يغيب عنه مكان, فدعا وقال وهو على هذه الحال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] , فسمعت الملائكة دعائه, فقالت: صوت معروف في أرض غريبة, هذا يونس لم يزل يرفع له عمل صالح ودعوة مستجابة.

فيجئ الجواب الإلهي له: فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [الصافات: 144] . أتاه الجواب بالنجاة فنجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين [الأنبياء:88] .

قال الحسن البصري:"ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت, ولكن قدم عملاً صالحًا في حال الرخاء فذكره الله في حال البلاء, وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه فإذا عثر وجد متكأً".

وأما رسول الله فيقول: (( تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) ) [1] .

وفي البحر قصص أخرى وعبر تترى, فهذا الطاغية فرعون يدركه الغرق فيدعو بالتوحيد آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين [يونس: 90] , وسمعت الملائكة دعائه فنزل جبريل إليه سريعًا, منجدًا؟ لا, مغيثًا؟ لا, وإنما يأخذ من حال البحر ووحله فيدسه في فيه خشية أن تدركه الرحمة.

وبعدها آتاه الجواب آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين [يونس: 91] .

لقد سمعت الملائكة دعاء كلا المكروبين, ولكن فرق عظيم, فالأول: تقول فيه: صوت معروف في أرض غريبة, هذا يونس لم يزل يرفع له عمل صالح ودعوة مستجابة.

وأما الآخر فينزل جبريل يدس الوحل في فيه خشية أن تدركه الرحمة.

يا ترى! ما الفرق بين الحالين, والكرب واحد, والصورة واحدة؟!! إن الفرق واضح, والبون شاسع.

فرق بين من عرف الله في الرخاء ومن ضيعه, فرق بين من أطاع الله في الرخاء ومن عصاه.

فيونس رخاؤه صلاة ودعاء ودعوة.

وفرعون رخاؤه ظلم وفسق وكفر وجحود.

وأما رسول الله عليه السلام فيقول: (( تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) ).

ولا يزال لطيف صنع الله عز وجل بأوليائه وعباده الصالحين يتوالى عليهم في حال الشدائد والكرب, فيفرج كربهم, وينفِّس شدائدهم حيث كان لهم مع الله معاملة في الرخاء.

فهذا نبي الله أيوب, كان كثير المال, من سائر صنوفه وأنواعه، من العبيد والأنعام والمواشي والأراضي, وكان له أولاد كثير وأهلون, فسلب ذلك كله وابتلي في جسده بأنواع البلاء, لم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما ربه.

وطال مرضه حتى عافه الجليس, وأوحش منه الأنيس, ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، ترعى له حقه, فضعفت حالها وقل مالها, حتى كانت تخدم الناس بالأجر ثم عافها الناس لما عرفوا أنها زوجة أيوب خشية أن تعديهم, وكانت تقول له: يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك. فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا, فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة, ولما عافهما الناس اضطرت أن تبيع ظفائرها, فعندما علم أيوب بذلك نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [الأنبياء: 83] , فيأتيه الجواب: فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين [الأنبياء: 84] .

وأما رسول الله فيقول: (( تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) ).

وزكريا يدخل على مريم فيجد عندها رزقًا, يجد عندها فاكهة لم يأتِ أوان حصادها بعد, قال: أنى لك هذا قالت هو من عند الله [آل عمران: 37] . ورجع زكريا وفكر ورأى، فإذا هو طاعن في السن وامرأته مع كبر السن عقيم لا تلد, ولكن!! الذي يرزق الشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدًا وإن كان طاعنًا في السن وامرأته عاقر.

قال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرًا عنده فخافته فقال: يا رب, يا رب, يا رب, فقال الله: لبيك لبيك لبيك, قال: رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا... [مريم: 4] , هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت