فهرس الكتاب

الصفحة 8566 من 9994

ويا أصحابَ العمائرَ إنَّ سفه هؤلاءِ الساكنونَ فلا تسفهوا أنتم، خذوا على أيديهم قولوا لهم إلم تُخرجُوها و إلاَّ فاخرجوا أنتم.

أيُّها الأئمةُ ، أيُّها الصالحون، أيُّها الجيرانُ، تعاونُوا جميعاً، زوروا هؤلاءِ ، زوروهم في بُيُوتِهم، خَوِفُوهم باللهِ تعالى، وازجُرُوهم عمَّا هُم فيه من الإثمِ والعُدوان، إنَّها مسئوليةُ الجميع، فإن تَهاونَا، وقال كل واحد منا مالي وماله، فو الله إنَّها بدايةُ النهاية، (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ) (سورة المائدة: 79,78) . اللهمَّ هل بلغت، اللهمُّ فاشهد.

صلوا على نبيكم - صلى الله عليه وسلم-، فقد أمرَكُم الله بذلك فقال تعالى قولاً كريما ولم يزل قائلاً عليماً: (( إن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ) (الأحزاب56) .

اللهمَّ- صلي وسلم- وزد وبارك على نبيِّ الرحمة، وأرض اللهمَّ على أصحابهِ أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهدهِ اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .

إخوةَ الإسلامِ:

قوارعُ الحقِّ تَصكُّ أسماعَنا صباحَ مساءَ، فهل من مُجيب؟ والنفسُ الأمارةُ بالسوءِ تحاولُ أن تُردِي أصحَابَها فهل من وقفةٍ ومحاسبة ؟ (( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ) ) [الحاقة:18] .

هكذا يكونُ العرضُ، وكذلكَ تكونُ الدقةُ في المحاسبةِ، (( ووُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) )الكهف:49].

يا أخا الإسلامِ:

قف وسائل نفسَكَ ماذا أعددتَ لهذا اليوم؟ كيف تتقيهِ اليوم؟ وفي ديوانِ الشعراءِ (أبي العتاهية) :

أأُخيَّ إنَّ أمامنا كرباً لها شغْبٌ وإنَّ أمامَنا أهوالا

إنَّ الدارَ مدبرةٌ وإن كُنَّا نرى إدبارَها إقبالا

قال العالِمون (الماوردي) :إنَّ على الإنسانِ أن يتصفحَ في ليلهِ ما صدرَ من أفعالِ نهاره، فإن كانَ محموداً أمضاهُ واتبعهُ بما شاكلهُ وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركهُ إن أمكن، وانتهى عن مثلِهِ في المستقبل (أدبُ الدنيا والدين/342) .

وقال آخر: أضرُّ ما على المُكلفِ الإهمالُ وتركُ المحاسبةِ، والاسترسالُ، وتسهيلُ الأمورِ وتمشيتها، فإنَّ هذا يؤلُ بصاحبهِ إلى الهلاك، وهذا حالُ أهلِ الغرور، يَغمضُ عينيهِ عن العواقبِ، ويُمشِّي الحال، ويتكلُ على العفوِ فيهملُ محاسبةَ نفسهِ والنظرَ في العاقبة، وإذا فعلَ ذلك سَهُلَ عليه مواقعةُ الذنوبِ وأنسَ بها، وعسُرَ عليه فطائها" (ابن القيم إغاثة اللهفان 1/95) ."

عبادَ الله: ومن أقوالِ السلفِ إلى أعمَالِهم وحرصِهم على مُحاسبةِ أنفسهم، فهذا عُمر يدخلُ حائطاً فسمعهُ أحدُ المسلمين _ وهو لا يدري _ يقولُ: عُمر!! أميرُ المؤمنين؟!

بخٍ بخٍ، والله يا بُنيّ الخطابِ لتتقيَّنَ اللهَ أو ليعذبنَّك. (الزهد لأحمد/171) .

وجاءهُ رجلٌ يشكو إليهِ وهو مشغولٌ فقالَ لهُ: أتتركونَ الخليفةَ حين يكونُ فارغاً، حتى إذا شُغلَ بأمرِ المسلمينَ أتيتُموه، وضربَهُ بالدُّرة، فانصرفَ الرجلُ حزيناً فتذكى عمرُ أنَّه ظلمه، فدعا بِهِ، وأعطاهُ الدرةَّ، وقال لهُ: اضربني كما ضربتُك، فأبى الرجلُ، وقال: تركتُ حقي للهِ ولك، فقال عمر: إمَّا أن تتركهُ لله فقط، وأمَّا أن تأخذَ حقَكَ، فقال الرجلُ: تركتهُ لله، فانصرفَ عمرُ إلى منْزلهِ فصلى ركعتينِ ثُمَّ جلس يقولُ لنفسه: يا ابنَ الخطابَ كُنتَ وضيعاً فرفعكَ الله، وضالاً فهداكَ الله، وضعيفاً فأعزَّكَ الله، وجعلكَ خليفةً فأتاكَ رجلٌ يستعينُ بك على رفعِ الظُلمِ فظلمته، ما تقولُ لربكَ غداً إذا أتيتهُ؟ وظلَّ يُحاسبُ نفسهُ حتى أشفقَ الناسُ عليه. (مناقبُ أميرِ المؤمنينَ عُمر بن الخطاب لابن الجوزي/171) .

للهِ درُكَ يا عُمر على هذا العدلِ والإنصافِ والمحاسبة، أينَ نحنُ من عُمر؟ كم نظلمُ أنفُسَنَا بفعلِ المعاصي، فهل نُحاسِبُها؟ وكم يقعُ منَّا ظُلمٌ على غيرِنا، فهل نتَّقي اللهَ ونرجعُ ونردُّ المظالم، ونستأذنُ من ظلمنا، ونلومُ أنفسنا؟ إنَّها نفوسُ الكبارِ.

ترُوَضُ على العدلِ والبرِ والإحسانِ، وإذا وقعت في الخطيئةِ عادت تلومُ وتستفغرُ وتُحاسبُ، إنَّها الكيَاسَةُ التي أخبرَ عنها المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بقوله: (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأَمَانِي ) ) (رواهُ الترمذي وحسنهُ وصححهُ الحاكمُ والذهبي/ المستدرك 4/280) .

قال الترمذيُّ: معنى: «مَنْ دَانَ نَفْسَهُ» أي: حَاسَبَها في الدُنيا قبلَ أن يُحاسبَ ليومِ القيامة.

أيُّها المسلمون:

الأمرُ في محاسبةِ النفسِ غايةً في الأهميةِ، ولئن كانَ شاقاً اليومَ فعاقبتُهُ الخيرُ والفلاحُ غداً.

ورحمَ اللهُ القائلَ: اقرَعُوا هذهِ الأنفسُ فإنَّها طُلعةٌ، وإنَّها تُنازِعُ إلى شرِ غاية، وإنَّكم إن تُقارِبُوها لم تبق لكم من أعمالِكم شيئاً، فتصبَروا وتشددوا، فإنَّما هي أيامٌ تُعدُّ، وإنَّما أنتم ركبٌ وُقُوفٌ يُوشَكُ أن يُدعى أحدُكُم فيجيبُ ولا يلتفت، فانقلبوا بصالحِ من بحضرتكم (الحلية 2/144 عن الحسن ) .

عبادَ الله:

إنَنَا نُخطِئُ بالليلِ والنهارِ، أفلا نتُوبُ ونستغفرُ؟ ومن يستغفرِ اللهَ يجدِ اللهَ غفوراً رحيماً.

تصور يا عبدَ اللهِ لو أنَّ كلَّ ذنبٍ عصيتَ اللهَ بهِ رُميَ في بيتكَ مُقَابِلهُ حجراً ؟ ألا تمتلئُ البيتُ من الحجارة، ألا تَضَيِّقُ عليكَ هذه الحجارةِ المسالك؟ ألا تُخَرِّبُ بيتك؟ فهل تتصورُ أنَّ اللهَ غافلٌ عمَّا تعمل، كيفَ والملكانِ المُوكلانِ بك يحفظانِ

ويكتبان: (( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ) (ق:18) .

(( أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ) ) (المجادلة:6) .

أيُّها المُسلمون:

وفي زحمةِ الحياةِ وغرُورِها، ومطالبُ النفسِ وتطَلُعَاتِها، وتسابقَ الناسِ إلى الشَّرَفِ والسؤددِ، والرئاسةِ والمالِ والجاهِ والسلطان، في ظلِّ هذا كلهُ قد تغيبُ أو تضعفُ المُحاسبة، وعلى قدرِ الإيمانِ واليقينِ بحقائقِ الآخرةِ، تكونُ المُحاسبةُ، قال أحدُهم: مثلتُ نفسي في الجنةِ أكلُ من ثِمَارها، وأشربُ من أنهَارِها، وأعانقُ أبكارِها، ثُمَّ مثلتُ نفسي في النَّارِ آكلُ من زقُومِها، وأشربُ من صدِيدِها، وأعالجُ سَلاسِلها وأغلالها، فقلتُ لنفسي: يا نفسُ أيُّ شيءٍ تُريدِين؟ فقالت: أريدُ أنَّ أردَّ إلى الدنيا فأعملُ صالحاً؟ قلتُ: فأنتِ في الأمنيةِ فاعملي. (الزهدُ للإمام أحمد /501) .

أعوذ بالله: (( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) ) (النازعات:40-41) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت