العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الرياض
جامع الطريري
ملخص الخطبة
1.الفرق في الجزاء بين الطيب والخبيث.2. النهي عن العجب بالخبيث وما يصور عنه من خبيث القول والفعل.3. الخبيث والطيب لا يستويان.4. كثرة الخبيث وقلة الطيب.5. صور من المفارقة بين الطيب والخبيث.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها المؤمنون اتقوا الله حق التقوى.
عباد الله: يقول الله جل وعلا وتبارك وتعالى وتقدس وتعاظم: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون [المائدة:100] . فهذا بيان من الله جل وعلا، وحكم منه أنه لا يستوي عنده الخبيث والطيب، بل لا يستوي الطيب والخبيث مطلقًا، فالطيب مفضل، الطيب في أعلى الدرجات، والخبيث في أسفل سافلين في أسفل الدرجات، الخبيث من الأقوال يدنيه الله جل وعلا في جهنم، والطيب من الأقوال يرفعه الله جل وعلا في الجنة في دار كرامته، الطيب من الأعمال يحبه الله جل وعلا، فإن الله طيبٌ لا يحب إلا طيبًا، إن الله جل جلاله طيب يحب الطيب من القول ويحب الطيب من العمل ويضاعفه لأصحابه ، الله جل وعلا يحب الطيبين من الناس، ويبغض الخبيثين من الناس، الله جل وعلا يرفع الطيب من المال ويبارك لأصحابه فيه، ويخفض الخبيث من المال ويجعله وبالاً على أصحابه.
فهذه أنحاء أربعة يكون فيها الطيب والخبث، طيب في الأقوال وطيب في الأفعال والأعمال، وطيب في الناس، وطيب في الأموال، وما يقابلها: خبث في الأقوال وخبث في الأعمال وخبث في الناس وخبث في الأموال.
وعلى هذا فلنعلم أن قول الله جل وعلا: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث [المائدة:100] نهي لنا أن نُعجب بالخبيث، نهي لنا أن نُعجب بالكثير إذا لم يكن طيبًا، فالله جل وعلا أمر ونهى، أمر أن نكون طيبين في أقوالنا وأعمالنا وذواتنا وأموالنا، ونهانا أن نكون من الخبيثين في أقوالنا وأعمالنا وفي ذواتنا، وفي أموالنا.
فانظر رحمك الله هل يستوي الذي طاب لسانه وطاب قيلُه وقوله، فهو لا يقول إلا القول الطيب، إذا حضرت مجلسه وجدته طيبًا مطيبًا إنما يذكر القول الحسن الذي فيه إرشاد للخير، أو الذي فيه صلة أو الذي فيه إصلاح بين الناس لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس [النساء:114] .
من الناس من أقواله طيبة، طيب في لسانه، لا ينطق إلا بكلام طيب حسن يُسر به سامعه، ويقربه إلى مولاه ويباعده من نزغات الشياطين، فهل يستوي من طاب لسانه مع ذلك الرجل الآخر أو تلك المرأة الأخرى الذي إذا تكلم ـ أعني الرجل ـ إذا تكلم تكلم بخبيث من القول، بغيبة، أو نميمة، أو بتفريق بين الناس، أو بنقل القالة فيما بينهم ليظهر قدر فلان من إخوانه المسلمين على الآخر، إذا تكلم فإنما يتكلم بالخبيث، يرشد إلى منكر أو يحبب إلى قبيح هل يستويان مثلاً أفلا تذكرون [هود:24] .
لا يستوي اللسان الطيب واللسان الخبيث ولو قل كلامه مَنْ لسانه طيب، فهو أزكى عند الله جل وعلا، وإن ظنه الناس في عيٍّ من القول وعدم إفصاح وإنما ينطق بالحق وما يقربه إلى ربه جل وعلا، قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ في وصيته له: (( وكُفَّ عليك هذا ) )قال: يا رسول الله: أو إنا مؤاخذون بما نقول؟ قال: (( ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) ) [1] .
أيضًا أيها المؤمنون لا يستوي ذو الطيب من الأعمال، ذو الطيب من الأفعال، وذاك ذو الخبث في الأعمال وذو الخبث في الأفعال، هذا الطيب في عمله إذا رأيته رأيت عمله طيبًا، رأيت عمله حسنًا، رأيت عمله يحبب إلى الله ويحبب الله فيه الناس، فهو لا يسعى إلا بعمله يسر به من رآه، طيبٌ في عمله مؤدٍ لأمانته، مؤدٍ لأمانته العظمى في حق الله جل وعلا بأداء فرائض الله وأداء الواجبات التي أوجبها رب الأرض والسموات، إذا عمل فإنما يعمل على وصف الشرع، فهو طيب في أعماله، راع لأمانته في وظيفته، إذا استرعي على مال حفظه، إذا استرعي على أيتام حفظهم وحفظ أموالهم، إذا استرعي على ولده حفظهم وحفظ تربيتهم، فهو طيب في عمله، طيب في فعله، والله جل وعلا طيب يحب الطيبين، والجنة دار للطيبين.
هل يستوي هذا وذاك الآخر الخبيث في عمله، والخبيث في فعله، تراه لم يرع أمانة الله مفرطاً في واجبات الله، لم يؤد الصلوات وخان الأمانة، لم يؤد زكاة المال، إذا استرعي على عمل خان، إذا استرعي على مال أكله، إذا استرعي على وظيفة ارتشى وغش وخان، وهذا عمله خبيث وعمله موبق له، إذا رأيت هؤلاء كثيرين، والطيبون قليلون الذين يرعون أمانتهم، فتذكر قول الله جل وعلا: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث.