فهرس الكتاب

الصفحة 8526 من 9994

سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار جامعٌ بين الخوف والرجاء، سأل النبي رجلاً من أصحابه فقال له: (( ماذا تدعو في صلاتك؟ ) )قال: يا رسول الله، أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، قال: (( حولها ندندن ) ) (4) [1] ، يقول الرجل: يا رسول الله، أنا عندي أمران، أسأل الله الجنة أقول: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أعوذ بك من النار، ما أحفظ الدعاء الذي تدعو به أنت، ولا الذي يدعو به معاذ، إنما أقتصر على الكلمتين اللتين أحفظهما، أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، قال: (( حولها ندندن ) )أي: كل دعائنا وكل تضرعنا وكل طاعاتنا حول الأمرين: أن نسأل الله الجنة ونستعيذ به من النار، فهذه هي الغاية من كل شيء، سؤال الله الجنة، والاستعاذة به من النار، وصدق الله: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحياةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] .

فهذا الصحابي رضي الله عنه ما كان يحفظ إلا: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أعوذ بك من النار، والنبي أقرّه على أمره، وأخبر أن كل الأدعية وإن طالت أو قصرت فمردها إلى أمر واحد: سؤال الله الجنة، والاستعاذة به من النار، فمن زحزحه الله عن النار وأدخله الجنة فقد نال الفوز العظيم، والعطاء الجزيل.

نسأل الله أن يدخلنا وإياكم جنته، ويعيذنا وإياكم من ناره، إنه على كل شيء قدير.

واعلموا - رحمكم الله - أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ....

(1) أخرجه البيهقي في الشعب (1/80) عن الحسن البصري رحمه الله.

(2) أخرجه ابن المبارك في الزهد (303) ، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (ص259) ، وأبو نعيم في الحلية (2/150) .

(3) أخرجه أحمد (6/91) ، والنسائي في الكبرى (7737) ، والترمذي في القدر (2140) ، وابن ماجه في الدعاء (3834) من حديث أنس رضي الله عنه، وحسنه الترمذي، وقال:"وفي الباب: عن النواس بن سمعان وأم سلمة وعبد الله بن عمرو وعائشة"، وصححه الألباني في ظلال الجنة (223) ، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه مسلم في القدر (2654) .

(4) أخرجه ابن ماجه في الإقامة (910) ، وفي الدعاء (3847) من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وصححه ابن حبان (868) ، وأخرجه أحمد (3/474) ، وأبو داود في الصلاة (792) من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن بعض أصحاب النبي ، وذكره الألباني في صحيح أبي داود (710) .

بين الخوف والرجاء والمحبّة

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-أهمية أعمال القلوب. 2- فضل الخوف والرجاء. 3- الأمر بالخوف من الله تعالى. 4- حقيقة الخوف من الله تعالى. 5- ثواب الخائفين من الله تعالى. 6- أحوال السلف في الخوف من الله تعالى. 7- الخوف المحمود والخوف المذموم. 8- حقيقة الرجاء بيان شرطه. 9- عبادة الله بالحب والخوف والرجاء.

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ حقَّ التقوى، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:235] ، إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5] .

عبادَ الله، إنّ أعمالَ القلوب أعظمُ شيء وأكبر شيء، فثوابها أعظم الثواب، وعقابها أعظم العقاب، وأعمال الجوارح تابعةٌ لأعمال القلوب ومبنيَّة عليها، ولهذا يقال: القلبُ ملكُ الأعضاء، وبقيّة الأعضاء جنوده.

عن أنس رضي الله عنه عن النبيّ قال: (( لا يستقيم إيمانُ عبد حتى يستقيم قلبه ) )رواه أحمد (1) [1] . ومعنى استقامةِ القلب توحيدُه لله تعالى وتعظيمه ومحبَّته وخوفه ورجاؤه ومحبّة طاعته وبغض معصيتِه.

وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إنَّ الله لا ينظر إلى صورِكم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ) (2) [2] ، وقال الحسن لرجل:"داوِ قلبك، فإنّ حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم" (3) [3] .

وإنَّ من أعمال القلوب التي تبعَث على الأعمال الصالحةِ وترغِّب في الدار الآخرة وتزجر عن الأعمال السيئة وتزهِّد في الدنيا وتكبَح جماحَ النفس العاتية الخوفَ والرجاء.

فالخوف من الله تعالى سائقٌ للقلب إلى فعل كلِّ خير، وحاجز له عن كلّ شيء، والرجاء قائدٌ للعبد إلى مرضاةِ الله وثوابه، وباعِث للهِمَم إلى جليلِ صالح الأعمال، وصارفٌ له عن قبيح الفعال.

والخوف من الله تعالى مانعٌ للنفس عن شهواتها، وزاجرٌ لها عن غيِّها، ودافع لها إلى ما فيه صلاحُها وفلاحها. والخوفُ من الله تعالى شعبة من شعَب التوحيد، يجِب أن يكونَ لربِّ العالمين، وصرفُ الخوفِ لغير الله تعالى شعبَة من شعَب الشرك بالله تعالى.

وقد أمر الله عزّ وجلّ بالخوف منه، ونهى عن الخوف من غيره، فقال تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] ، وقال تعالى: فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً [المائدة:44] ، وقال عزّ وجلّ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40] وعن أنس رضي الله عنه قال: خطبَنا رسول الله فقال: (( لو تعلمون ما أعلم لضحِكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا ) )، فغطَّى أصحاب رسول الله وجوهَهم ولهم خنين. رواه البخاري ومسلم (4) [4] .

والخوف يراد به انزعاجُ القلب واضطرابُه وتوقُّعه عقوبةَ الله على فعل محرَّم أو ترك واجب أو التقصير في مستحبّ والإشفاق أن لا يقبلَ الله العملَ الصالح، فتنزجِر النفس عن المحرّمات، وتسارع إلى الخيرات.

والخشيةُ والوجَل والرهبَة والهيبَة ألفاظٌ متقاربة المعاني، وليست مرادِفةً للخوف من كلّ وجه، بل الخشية أخصُّ من الخوف، فالخشيةُ خوفٌ من الله مع عِلمٍ بصفاته جلّ وعلا كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ، وفي الصحيح أنّ النبي قال: (( أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له ) ) (5) [5] . والوجلُ رجَفَان القلب وانصداعُه لذكر من يخاف سلطانَه وعقوبته. والرهبة الهرَب من المكروه. والهيبة خوفٌ يقارنه تعظيمٌ وإجلال.

قال ابن القيم رحمه الله:"فالخوفُ لعامّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبةُ للمحبّين، والإجلال للمقرّبين، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوفُ والخشية من الله تعالى" (6) [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت