الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
حديثنا اليوم عن الطريق إلى مكة .. وإن شئت فقل الطريق إلى الوحدة والقوة ، ومن ثَمّ فهو الطريق إلى النصر والعزة .
في هذه الأيام المباركة وهذه المواسم العظيمة موسم الحج الأكبر ومجمع الإيمان الأعظم ومشهد التوحيد الأسمى الذي تعز الدنيا كلها أن تعبر بأعظم المعاني وأجمعها وأجملها في صورةِ عملية كما تتمثل في أمة الإسلام في الحج إلى بيت الله الحرام .
وإنها لخواطر تستحق التأمل ، وفيها من معاني الإيمان ومن دروس التربية ، ومن معالم تغير الواقع شيء لو فطنت له الأمة لحازت خيراً كثيراً ونالت شرفاً عظيماً منذ دعوة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } .
{ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } .. هكذا أفئدة أي جماعات وزرافات من الناس ، قال ابن كثيرٍ رحمة الله عليه:"لو قال الله عز وجل: فاجعل أفئدة الناس ؛ لأتت إليه جموع الناس حتى من اليهود والنصارى والمشركين والوثنيين".
ولكن جاء قوله: { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } .
أي من المسلمين من بين بقية الناس أجمعين .
وعجباً هذا الأمر والمشهد المتكبد في كل عامٍ عبر قرونٍ متطاولة ومتعاقبة .. ها هم اليوم حجاج بيت الله الحرام من تحت ركام الشيوعية ، يأتون من وسط أوحال قذارة الحضارة الغربية يتطهرون ويقبلون من وسط أدغال الفقر والظلم والظلام في أفريقيا السوداء .. ينبعثون ويقبلون من أرض البرد والصقيع من أرض الحر والفقر من كل مكان من كل حدبِ وصوب من كل لغةِ ولون من كل حالةِ ووضع من كل صورةِ وهيئة يفدون إلى هذه البقاع المقدسة والأماكن الطاهرة .
ما الذي بعث هؤلاء ؟ ما الذي أقض مضاجعهم وحرك مضيهم ليتوجهوا إلى بيت الله الحرام إلى الأرض التي قال فيها الخليل عليه السلام:
{ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } .
في حرّها في صحراءها ولهيبها ولفحها في كونها أرضاَ قاحلةَ جرداء ما الذي يبعث هذه القلوب ، ويحرّك هذه الأجساد ؟
إنها القوة العظمى التي تؤثر في الإنسان ، ولا يمكن لقوةٍ أخرى - سواء كانت قوة إغراء أو قوة ترهيب أو قوة إضرار ، أو قوة اختيار - أن تؤثر هذا التأثير ..
إنها قوة الإسلام والدين والإيمان .
إنه الأمر الذي يحرك كوامل النفوس ، ويداعب ويناجي خواطر وخفقات القلوب .
ما الذي يحرك هذه النفوس ؟
إنه نداء الإيمان إنه دين الإسلام .
وهذا الأمر هو الذي يتجسد جلياً واضحاً في واقع الأمة اليوم ؛ لأنها بفضلٍ من الله سبحانه وتعالى بعد أن زالت غشاوة الدنيا وبريقها ، وبعد أن تهاوت مبادئها الأرضية بخسرانه ، وبيان عوارها أصبحت الأمة في كثير من أفرادها ، وفي كثير من ديارها لا تتحرك إلا باسم الله ، ولا تتقدم إلا استجابة لأمر الله ، ولا تتراجع إلا ابتعاداً عن الابتداء والتجاوز لحرمات الله سبحانه وتعالى .
ولماذا كان لهذا الدين هذه القوة التأثيرية العجيبة ؟
لأن هذا الدين لا يتعامل مع الأشكال والظواهر ، وإنما ينفذ إلى أعماق القلوب ، وإنما يغير من أغوار النفوس ، وإنما يشكل الإنسان صياغة جديدة .. فإذا به حينئذ ينقلب كياناً آخر ، وإنساناً آخر يصوغه كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأحكام هذه الشريعة الغراء ، فحينئذ تجده يدور في فلك واحد هو فلك هذا الإسلام .
ولذلك فإن هذا المعنى العظيم حينما يتجسد في هذه الصورة ينبغي أن يثير الأمة لكي تعتصم بهذا الدين ولتجعله محور حركتها وقطب رحاها .
وإذا تأملنا أيضاً ؛ فإننا نجد هؤلاء الذين يأتون من كل مكان من شرق الأرض وغربها ، يتجاوزون حدوداً كثيرة ، ويخرجون من بيئاتٍ كفرية ، ويأتون من أوضاع حتى في ديار الإسلام تخالف شرع الله سبحانه وتعالى .. لماذا ؟
يأتون ليحققوا أمراً من أوامر الله .. ليحققوا استجابةً لأمر الله سبحانه وتعالى ، فإذا المسلم في حقيقته يستعلي ويتجاوز ويترفع ويأبى أن يلم بحال من أحوال الكفر ، أو أن يقع في صورة من صور عصيان لأمر الله سبحانه وتعالى ، ويطوي الفيافي ، ويتجاوز العقبات ؛ ليعلن استجابته لله جل وعلا: ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ) فإذاً لا بد للأمة أيضاً أن تحقق في قلوبها ونفوسها ، في ولائها وبرائها ، في بغضها ومحبتها أن تحقق التجاوز لكل أمرٍ يخالف أمر الله ، وأن تحقق هذا التجاوز سعياً إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى .
إن هذا المعنى العظيم إذا تحقق به الإنسان المسلم فإن مجموع الأمة يستعلي حينئذِ عن كل مبدأ ، وعن كل أمرٍ يخالف شرع الله سبحانه وتعالى .