قال الله سبحانه: (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (سورة البقرة: 216) .
وإن مصائب الدنيا ونكبات الدهر ليست حكراً على قومٍ دون قوم ، أو أمة دون أمة ، أو فردٍ دون فرد ولكنها سنة الله سبحانه ، فالأيام دول: (( وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) ) (سورة آل عمران: 140) .
وهذه سنة ماضية في ابتلاء أهل الدنيا: (( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ) (سورة الأنبياء: 35) .
والوقائع والسنن ميزانٌ لا يظلم وفي تقلِّب الأحوال وعجائب الدهر عبرٌ لأولى النهى فالقوي لا يستمر أبد الدهر قوياً ، والضعيف لا يبقى مدى الحياة ضعيفاً .
والمؤمن هو صاحب الأمن والسكينة بسبب ما يغمر جوانحه من إيمان وأمل ، نعم الأمل ذلك الشعاع الذي يلوح له في دياجير الحياة فيضئ له الظلمات وينير له المعالم ويهديه السبيل ذلك هو الأمل الذي تنمو به شجرة الحياة ويذوق المرء به طعم السعادة تأمّل في قوله تعالى: (( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) ) (سورة آل عمران:140,139) .
ففيها تشجيع للمؤمنين على الاحتمال ومواساةٌ لهم وبثٌ للأمل في نفوسهم وتأسية على القرح الذي لم يصبهم وحدهم إنما أصاب أعداءهم كذلك ، وهم أعلى من أعدائهم عقيدةً وهدفاً وأهدى منهم طريقاً ومنهجاً والعاقبة بعد لهم والدائرة على الكافرين (الظلال 2/82 ـ 83 ) .
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمرُّ بآلِ ياسر وهم يعذبون بمكة فيقول لهم: (( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) ) (الحاكم 3/318 وصححه ووافقه الذهبي ورواه البيهقي في الدلائل 2/282) .
فهكذا فليكن المؤمن منتظراً للفرج متفائلاً ، يأمل الخير ويدعو إلى الله ويكثر الدعاء ويصبر على الابتلاء ويتسلى بما أصابَ الرسل والأنبياء: (( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ ) ) (سورة الأنعام: 34) .
اللهمَّ بارك لنا في القرآن العظيم وفي سنة سيد المرسلين واجعلنا بهما منتفعين ولهما متبعين أقول هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات فاستغفروه .
الخطبة الثانية
الحمد لله المحمودِ على كل حال أَحمده سبحانه على السراء والضراء فله الحمد في الأولى والآخرة وهو الحكيم الخبير ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي القدير ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله البشير النذير ، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان .. بعد .
فيا أيها المسلمون:
أيقنوا بأن دين الله محفوظ ومنصور وباقٍ والأمل أن نكون نحن من جند الإسلام العاملين ، وحزبه الغالبين ، ومنذ فجر الإسلام والمكائد والمؤامرات تحاك ضِدَّ هذا الدين ثم ما تلبث أن تتحطم على صخرة الإسلام الصامدة المتماسكة ففي غزوة الأحزاب يوم أحاطت أحزاب البغي والطغيان بالمدينة النبوية يريدون القضاء على نبي الإسلام وأصحابه: (( إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) ) (سورة الأحزاب:11,10) .
ومع ذلك صبروا وصابروا وجاءت الريح العاصف فشتت شمل الكافرين وعقّب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك تعقيب الراجي الآمل الذي لا ييأس ولا يقبل اليأس لمن معه فقال: ( الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم ) .
وقد تحقق ما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم فتوالى انتصار المسلمين على الكافرين حتى فتح الله عليهم ونصرهم لثباتهم ويقينهم ، ووقوفهم في وجه اليأس والقنوط: (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) ) (سورة الأحزاب: 23) .
ولا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرةٌ منصورةٌ تقوم بأمر الله وتنصر دين الله أَمَّا كيد الكفار والمنافقين فهو في ضلالٍ وخسران قال تعالى: (( وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ) ) (سورة الرعد: 14) .
وقال سبحانه: (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) ) (سورة الصافات: 171) .
وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليلُ والنهار ) )رواه أحمد والحاكم .
فما على أهل الإسلام إلا الصبر واليقين ، والأمل والعمل ، والدعوة والدعاء ، والتوكل وحسن الرجاء وكثرةُ الاستغفار ، والأخذ بالأسباب ولله عاقبة الأمور: (( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (سورة الحج: 40) .
اللهم اجعلنا من أنصار دينك ، واللهمَّ أقرَّأ عيننا بعزٍ ونصر وتمكين لعبادك المؤمنين ، اللهمَّ أنصر أهلَ الإسلام الصادقين في كل مكان ، اللهمَّ أنصر المجاهدين في سبيل يا رب العالمين اللهم انصر مسلمي فلسطين والشيشان وانصر من جاهد في سبيلك في كل مكان وزمان .
الحمد لله يهدي من يشاء ون يُضلل اللهُ فما من هاد، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له كتب الفناءَ على هذه الدنيا ، والخلودَ في دار النعيم والجحيم في الأخرى ، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه أمر ونهي ونصح وجاهد، وترك الأمةَ على محجة بيضاء ، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، ورضي الله عن صحابته أجمعين ، والتابعين ومن تعبهم بإحسان إلى يوم الدين (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) ).
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ).
أيها المسلمون
نحن في هذه الحياة في مركبٍ واحدٍ ، ولكنا مسئول عن سلامة هذا المركب ، ولا ريب أن ثمة مخاطر تُهدد المركب ، وهذه المخاطرُ خارجيةً لا دخل لأهل المركب في إيجادها وإن كان بإمكانهم أن يخففوا منها وأن يصمدوا لرياحها - ومخاطرُ داخليةٌ تعودُ إلى من هم بداخل المركبة ، ويُساهم رُبَّانُ المركبةِ وراكبوها في عطبها أو إنقاذها - وتلك هي الأهمُ في الحديث عن المركبة وسلامتها والحديثُ عن هذه المركبة يَهمنا جميعاً، والرسولُ صلى الله عليه وسلم ، وصف لنا سفينةَ المجتمع ، وكشف عن أسباب سلامتها ، وحذر من خرق السفينة ومن يخرق السفينة ، والنتيجة المرّة لغرف السفينة .. موضحاً بذلك أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبر مثال يعقله العالمُ والعامي والرجلُ والمرأة ، والصغيرُ والكبيرُ فتعالوا بنا نقرأ هذا المثل النبوي ، ونسترشدُ بالهدي الرباني ، في تشخيص بديع للقائم على حدود الله ، والواقع فيها ، وحُماةِ السفينة والخارقين لها .