فهرس الكتاب

الصفحة 8569 من 9994

وقد فهمَ هذه الرسالة ووعى هذه الحقيقةِ أولئكَ الفوارسُ العظام، والجهابذةُ الكرامِ من أسلافِ هذه الأمة، فأقامُوا حِلَقَ التعليمِ في مساجِدِهم، وأُنشئت دُورَ الحديثِ، ومدارسُ التوحيدِ والفقهِ والأصول، ووفدَ الناسُ من كلِّ مكانٍ يطلُبُونَ العلومَ على أيديٍ، حُفَّاظُ الدُنيا وجهابذةُ الزمان، فساحَ الزائرونَ ورعايا البلادِ المفتوحةِ في بلادِ المسلمين، طلباً للعلمِ ونشدانا للثقافةِ الأصيلة، واختصَّت جزيرةُ الإسلامِ بمزيدٍ من الإشعاعِ الآخَّاذ، والسراجِ الوهاج، إلى هذا العصرِ الذي نعيشُيهُ، فظَلَ الوَافِدونَ يُقُدمُون لأداءِ منسكي الحجِّ والعمرة، ويرجِعُون وقد تخلص كثيرٌ منهم من خُرافات متراكمة ..وبدع متمكنة ..بفضل الله أولا ثم ما يُبذل من جهود ضخمة تبذلها الجهاتِ المختصة، من خلالِ جمٍّ غفيرٍ من الدُعاةِ والوعُاظ والمُوجِهِين، ينتشِرُونَ في مكةَ والمشاعرِ كلَّ عام، بالإضافةِ إلى ملايينَ النشراتِ الدعويةِ المؤصلة، توضعُ في أيدي أولئكَ الحجاجِ والمعتمرين، وإن ننسى فلا ننسى الجامعةَ الإسلاميةِ السلفيةِ العريقة، في مدينةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حَرسَها اللهُ، وهي تستقطبُ مئاتَ الدارسينَ من أقطارِ المُعمورةِ يتلقَونَ عقيدةَ السلف، وقالَ اللهُ وقالَ رسولهُ r ، ليرجِعوا بعد ذلك دُعاةً ومعلمين، فهذهِ بركاتُ الجزيرةِ، وهذهِ تجارتُها وتلكَ صِناعَتُها .

وخُلاصَةَ القولِ، إن كانَ من شَيءٍ نُقَدِمهُ للعالمِ فهُو كتابٌ وسنة، وإن كانَ من شيءٍ نتغنى بهِ ونفخرُ من أجلهِ فهُو وحيانِ شريفان، وكنزان عظيمان ..إن كان من شيء نقدمه لمن ينشدون الاطلاع على ثقافتنا فهو قرآن حكيم وذكر مبين من مثل قوله تعالى: (( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) ).

إن كانَ من شيءٍ نُقدِمهُ فهُو من مثلِ قولِ الله تعالى: (( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) ) (سورة المائدة:72) .

إن كانَ من شَيءٍ نُقدِمهُ فهُو من مثلِ قولهِ تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (سورة الحج:74,73)

إن كانَ من شيءٍ نُقدمهُ فهُو من مثلِ قولِه ِ: (( فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ) ( سورة الحج: 46,45 ) .

إن كان من شيءٍ نُقدمهُ فهُو سنة شريفة ، بيضاءَ نظيفة، من مثلِ قوله r: (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) )رواه مسلم [1]

إن كانَ من شيءٍ نُقدمهُ للدنيا كُلَّها فهو من مثل قوله r: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي ) )رواه أحمد .

هذه بضاعَتُنا، وتلك رسالتنا.

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور،وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

[1] ورقمه (153) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

النكاح وعوائقه

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدهُ ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديهِ اللهُ فلا مُضل له، ومن يُظلل فلا هادي له.

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسلمياً كثيراً.

أيُّها المسلمون:

لقد أقامَ الإسلامُ بناءَ الأسرةِ على دعائمَ ثابتةٍ، وأسسٍ مُتقنةٍ، من الخُلقِ الرضي، والسلوكِ النقي، والدينِ الخالص، والمصلحةِ العامةِ للأمةِ، والنفعِ المحققِ لكلِّ فردٍ من أفرادِ المجتمع، فهاهُو الإسلامُ يندُبُ الناسَ إلى الزواجِ، ويجعلُهُ من سُنِنهِ، ويُحذِرُ من الرغبةِ عنهُ أعظمَ تحذير، بل وصلَ الأمرُ إلى أن يجعَلَهُ علماءُ الإسلامِ من الضروراتِ الخمس، التي جاءتِ الأديانُ لتحقيقها، تحتَ ضرُورةِ حفظِ النسل، قال تعالى: (( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) [32:النور] .

ويقولُ اللهُ عز وجل في معرضِ وصفِ الرسلِ ومدحِهم، بأنَّ لُهم أزواجاً وذرية: (( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا ) ) [38:الرعد ] .

وأثنى اللهُ تعالى على عبادهِ الصالحينَ حين قالوا: (( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) ) [74:الفرقان] .

ويقولُ- عليه الصلاةُ والسلام-: (( يا معشرَ الشبابُ من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوج، فإنَّهُ أغض للبصر، وأحصن للفرج ) )الحديث رواهُ البخاري ومسلم .

أيُّها المسلمون: إنَّ هذا الموقف - أعني الحضُّ على الزواج - يُحقِقُ غرضينِ جليلين:

أما أولهما:

فهو مُسَايَرَةُ الفطرةِ الإنسانيةِ التي فطرَ اللهُ الخلقَ عليها، وتصعيدُ الغريزةِ على وجهٍ يُحقِقُ الخيرَ والفضيلة، بل إنَّ الإسلامَ ليعدُّ ممارسةَ العملِ الغريزي في نطاقِ الحلالِ المشروعِ صدقة، يستحقُّ صاحِبها الثواب، لأنَّهُ امتثلَ أمرَ اللهِ في التزامِ الحلالِ والوقوفِ عندَ حُدودَ اللهِ، قال r: (( وفي بضع أحدكم صدقة ، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوتَهُ ويكون له فيها أجر ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) )رواه البخاري ومسلم.

وأما ثانيهما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت