فهو استمرارُ وجودِ الجنسِ البشري على ظهرِ هذهِ الأرض، حتى يأذنَ اللهُ بأمرٍ آخر، إنَّ الحياةَ البشرية لا يتحققُ فيها الوفاءُ إن لم تستمرَّ الأجيالُ في عمليةِ عمارةِ الأرض، وتحقيقِ الخلافةِ، بل إنَّها تكادُ تفقدُ قيمتها عندما يحسُّ المرءُ أنَّهُ نبتةً وحيدةً لا امتدادَ لها في هذا الوجود، من أجلِّ ذلكَ كُلِّهِ كان الزواجُ من سُنةِ المصطفى r ، قال r: (( من رغب عن سنتي فليس مني ) )رواهُ البخاري ومسلم.
أيُّها الأخوةُ في الله:
وإذا نظرنا في واقعنا وجدَنا مُعوقاتٍ عدَّة، تصدُّ الشبابَ عن الزواجِ لعلَّ من أهمِهَا وأبرزِها المغالاةُ في المهور، هذهِ المغالاةُ التي بلغت حداً لا يُطاق، وبالنسبةِ لشبابٍ ناشئينَ، فترى بعضُهم إذا خطبَ إليهِ رجلٌ ابنتهُ أخذ يُحدُ شفرتهِ، ليفصلَ ما بينَ لحمهِ وعظمه،
فإذا قطعَ منهُ اللحم، وهشَمَ العظمَ، وأخذَ منهُ كلَّ ما يَملك، سَلَمَها له، وهو في حالةِ بؤسٍ شديدين، مُثقلاً بأوزارِ الديون، التي تُكدِرُ عليهِ صفوهُ، وتجلبُ هُمَهُ وغمَّه، فتذلَهُ بالنهار، وتقضُّ مضجعهُ بالليل، ويغلي بنَارِها قلبه، إنَّ الزواجَ أصبحَ بالنسبةِ إلى الشابِ الناشئِ ضرباً من المستحيل، ولقد أثَّر هذا الوضعُ أثراً سيئاً في المجتمع، إذ جعلَ نسبةَ العوانسِ ترتفعُ، وجعلَ الفسادَ ينتشر، والانحلالَ يتفاقم، وانصرفُ الكثيرُ من الشبابِ عن الزواج، ولذا غضبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من كثرةِ المهرِ، فقد جاءَ رجلٌ من الصحابةِ يستعينه، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( على كم تزوجتها ؟ قال: على أربعِ أواقٍ، فقالَ لَهُ النبيُّ r: على أربعِ أواق ؟ كأنَّما تَنحِتُونَ الفضةَ من عَرْضِ هذا الجبلِ، مَا عندنَا ما نُعطِيك ) )الحديث رواه مسلم .
وهذا عُمرُ الفاروقِ يُدركُ بثاقبِ نظرهِ ما يُمكنُ أن يُهددَ المجتمعُ من المَخاطرِ والشرورِ بسببِ المغالاةِ في المهور، فلقد جاءَ عنه أنَّهُ قال: (( ألا لا تغالوا صدُقات النساء فإنَّها لو كانت مكرمةً في الدنيا، أو تقوى عندَ اللهِ لكانَ أولاكُم بها نبيُّ الله، ما علمنَا رسولُ الله r نكحَ شيئاً من نسائهِ ولا أنكحَ شيئاً من بناتِهِ على أكثرِ من اثنتي عشرةَ أوقية ) )رواه الترمذي وقال حسن صحيح، .
قال شيخُ الإسلامِ- رحمه الله-: والمستحبُ في الصداقِ - مع القُدرةِ واليسار - أن لا يزيدَ على مهرِ أزواجِ النبيِّ r ولا بناتِهِ، وكانَ ما بينَ أربعمائةِ إلى خمسمائة، بالدرَاهِمِ الخالصةِ، نحواً من تسعةَ عشرَ ديناراً، فهذهِ سُنةُ رَسولِ اللهِ r، من فعلَ فقد استنَّ بسنةِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصداقِ، قال أبو هريرةَ t: ( كانَ صداقُنا إذ كانَ فينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عشرَ أواق، وطبقَ بيديهِ، وذلكَ أربعمائة درهم، إلى أن قالَ:( فمن دعتهُ نفسُهُ إلى أن يزيدَ صداقَ ابنتهِ على صداقِ بناتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم اللواتِي هُنَّ خيرُ خلقِ اللهِ في كُلِّ فضيلة، وهُنَّ أفضلُ نساءِ العالمينَ في كلِّ صفةٍ، فهُو جَاهِلٌ أحمق، وكذلكَ صداقُ أُمهات المُؤمنينَ، وهذا مع القدرةِ واليسار، فأمَّا الفقيرُ ونحوهُ فلا ينبغي لهُ أن يُصدق المرأةَ إلاَّ ما يقدِرُ على وفائهِ من غَيرِ مشقة ) أ هـ 1
ولو نظرنا أيُّها المُسلمُونَ في الواقعِ العملي للمسلمينَ في عهدِ السلفِ، لوجدنا أنَّ الأمرَ أيسرَ بكثيرٍ ممَّا هُو موجودٌ الآن، فقد تَزوجَ عبدُ الرحمن بن عوفٍ على وزنِ نواةٍ من ذهب، قالوا ووزنها ثلاثةُ دَراهمَ وثُلث ، وهذا سعيدُ بن المسيب- رحمهُ الله- يُزوجُ ابنتهُ على دِرهَمَين، وهيَ من أفضلِ بناتِ قُريشٍ بعدَ أن خَطَبها الخليفةُ لابنهِ، فأبى أن يُزوِجَها به، وهذهِ أمُّ سُليم، جعلت مَهرها أسلام أبِّي طلحة، فزوجَها رسولُ الله r على ما شرطت .
هكذا كانت سيرةُ السلفِ الصالحِ y في شأنِ المهرِ، ولا يظنُ ظانٌ أنَّ ذلكَ كانَ من أجلِ شَظفِ العيشِ وقلةِ ذاتَ اليد، فقد كانَ كثيرٌ من الصحابةِ من الأثرياءِ، فهذا أَبو بكر t من أتجرِ قُريشٍ كما تقُولُ عائشةَ، وهذا عُثمانَ t يتصدقُ في مجلسٍ واحدٍ بثلاثِ مائةَ بعير، بأحلاسها وأقتابها، وكانت تركتهُ t كما قالَ الحافظُ ابن سعد: ثلاثونَ ألف ألفَ درهم، وخمسُمائةَ ألفَ دِرهمَ وخُمسُونَ ألفَ دِينار، وتركَ ألفَ بعيرٍ، وتركَ صدقاتٍ تصدقَ بها قِيمتَهُ مائتي ألفَ دِينار، وهذا طلحةَ بن عُبيد اللهِ t تركَ كما قالَ والدُهُ محمد ألفي ألف دِرهم، ومائتي ألفَ درهم، ومائتي ألفَ دينار، وهذا الزُبيرُ بن العوام t تركَ خمسةً وثلاثُونَ ألفَ ألفَ، ومائتا ألف، أي ما يزيدُ على الخمسينَ مليون، وغيرِهم كثير، ولكن هُو الامتثالُ والانقيادُ لأمرِ نبيِّهم محمد r .
وليعلمَ الآباءُ الذين يرونَ أنَّ رفعَ المُهُورِ ضماناً لبناتهم، أنَّ الذي يكرَهُ زوجَتَهُ ويريدُ طلاقَها لا يُمكِنُ أن تقفَ في وجهِهِ مُشكلةَ المال، بل على النقيضِ من ذلكَ، فلَرُبما أبغضَ الرجلُ زوجتهُ فضارَّها حتى تفدي نفسَها منهُ، فلا تستطيعُ إلى ذلكَ سبيلاً، فتبقى المِسكِينَةُ تحتَ وطأةِ ذلكَ الرجلُ واضطهاده.
فاتقوا اللهَ يا مُسلِمُون: واعلموا أنَّكُم مَوقُفُونَ في يومٍ مهُول، ومسئولون عَمَّا استرعيتم من الأمَانة، فأعدُّوا للسؤالِ جواباً، وللجوابِ صوابا.
أيُّها المُسلمون: وعقبةٌ أُخرى، تلكَ التكاليفُ التي ابتدعَها حفنةٌ من الناسِ، وتمالئُوا بها، حتى أثقلت كاهلَ الزوج، ونفرت من الزواجِ، ذلكَ الإسرافُ المُهين، والتبذيرُ الرهيب، في شِراءِ الأقمشةِ المُرتفعَةِ الأثمان، وأدواتِ التجميلِ الباهظةِ الأسعار، والمُبالغةِ الضَخمةِ في تأثيثِ قفصِ الزوجية، ناهيكَ عن إقامةِ الولائمِ في الفنادقِ وغيرها ؟ ولنا أن نتساءَل: من المستفيدُ من هذا كُلهِ يا مُسلِمُون ؟ إنَّها أموالٌ تذهبُ هَدراً ، وتُضاعُ سُدى، وتكونُ حَجرَ عثرةٍ لشبابنا، ولقد كانَ أمرُ الزواجِ أيسرَ بكثير، ولكنَّ الناسَ أنفُسَهُم يظلمُون، فقد رأى النبي r على عبد الرحمن بن عوفٍ ردع زعفران، فقال: (( مهيم ؟ قال يا رسولَ الله تزوجتُ امرأةً ، قال ما أصدقتَها ؟ قال وزنَ نواةٍ من ذهب، قال فباركَ اللهُ لك، أولم ولو بِشَاة ) )رواه البخاري ومسلم، وقالت عائشة: (( أولمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على بعضِ نسائهِ بِمُدَين من شعير ) )رواه البخاري.
فهذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أكرمُ البشريةِ وأزكى البريةِ هذه أقواله، وهذهِ أفعاله، فلماذا نضربُ بها عرضَ الحائطِ ونستمعُ لثرثةِ فلانٍ وعلان، هذا عارٌ وهذا شنار، كيفَ تُزوج ابنتكَ ولم تضع لها حفلةً تُكتبُ في التاريخ، أهيَ أقلُ من غيرها، فإلى أولئكَ البائسينَ نُذكِرِهُم بقولِ الله تعالى: (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (سورة النور: 63) .
ألا فليتقِ اللهَ أولئكَ ويعُودُوا إلى رُشدِهم، ويتمسكوا بسنةِ نبيهم، فبها النجاةُ والله، والسلامةُ والعافية .
عباد الله: وعقبةً أُخرى، تلكَ التي يُردِدُها أربابُ الأفكارِ المُسمَومة، الذين ينفُثُونَ سُمُومَهم عبرَ قَنواتٍ مُتعددة، يُقرِرُونَ من خِلالِها أنَّ التبكيرَ في الزواجِ عملٌ غيرُ صالح، وضربٌ من التغريرِ بالمُراهقين، وما عَلِمَ هؤلاءِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ألجمَهُم بقوله: (( يا معشرَ الشبابَ من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوج، فإنَّهُ أغضُّ للبصرِ، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطيع فعليهِ بالصومِ فإنَّهُ لهُ وجاء ) )رواهُ البخاري ومسلم.