إعداد/ زكريا حسيني
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه إلى يوم الدين، وبعد:
أخرج أبو داود في سننه عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ كَانَ تَبَنَّى سَالِمًا وأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهو مَوْلًى لاَمْرَأةٍ مِن الأنصار، كما تَبَنَّى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زيدًا، وكان مَنْ تَبَنَّى رَجُلاً في الجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ الناسُ إلَيه وَوَرِثَ مَيراثَهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في ذَلِكَ: ادعوهم لآبائهم إلى قوله: فإخوانكم في الدين ومواليكم [الأحزاب: 5] ، فَرُدُّوا إلى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وأخًا في الدِّين، فَجاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو القُرَشِيِّ ثُمَّ العَامِرِيِّ وَهي امْرَأَةُ أبي حُذَيْفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلدًا فَكانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أبي حُذَيْفَةَ في بَيْتٍ وَاحدٍ وَيَراني فُضُلاً، وقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهم مَا قَدْ عَلِمْت فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فقالَ لَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَرْضِعِيهِ» فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضعاتٍ، فَكَانَ بمنزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عائِشَةُ تَأْمُرَ بَنَاتِ أَخَواتِها وبَنَاتِ إخوانِها أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا. وأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجٍ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ. وقُلْنَ لِعَائشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي، لَعَلَّهَا كَانتْ رُخْصَةً مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِسالِمٍ دُونَ النَّاس.
وأخرج هذا الحديث من حديث عروة بن الزبير الإمام مالك في الموطأ في كتاب الرضاع، وعنه الإمام الشافعي في الأم، ولقد رُوي هذا الحديث مختصرًا بحذف بعض ألفاظه، وبسياق دون هذا السياق، فقد أخرجه الإمام البخاري في المغازي وفي النكاح، والإمام مسلم في الرضاع، والنسائي في كتاب النكاح، باب رضاع الكبير، وابن ماجه في النكاح باب رضاع الكبير وهؤلاء ثلاثتهم أخرجوه من حديث القاسم عن عائشة، وأخرج الخبر في إباء (أي رفض) سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما فعلته عائشة رضي الله عنهن أجمعين، على أن ذلك كان رخصة لسالم وحده؛ مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرجه الإمام أحمد في المسند (6/255، 269، 270) ، والدارمي وعبد الرزاق عن عائشة رضي الله عنها.
شرح الحديث
قوله: «إن أبا حذيفة تبنى سالمًا» التبني معروف، وهو أن يلحق الرجل بنفسه ابنا ليس له، وقد كان في الجاهلية قبل الإسلام يُلحق الرجل بنفسه الابن ويعده من أبنائه حتى إنهما ليتوارثان، فأبطل الإسلام ذلك، وأمر أن يُردَّ كل رجل إلى أبيه، وأن يُدْعى به، والذي لا يُعْلَمُ له أب يصير من موالي الشخص ومن إخوانه في الدين.
قوله: «وأنكحه ابنة أخيه» هذا الفعل من أبي حذيفة دليل على تبنيه سالمًا وشدة عنايته به. على أن العربي كان يفرق في المعاملة بين المولى وغيره، فأبو حذيفة عملا منه بالتبني زوَّجَ سالمًا ابنة أخيه ولم يأنف من ذلك لأنه عده ابنه على الحقيقة، ولو كان يعده مولى ما زوجه ابنة أخيه كما هي عادة العرب في جاهليتهم.
قوله: «فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فُضُلاً، وقد أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟» فأما قولها: كنا نرى سالمًا ولدًا فلأنهم تبنوه، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد. وفي رواية: وليس لنا إلا بيت واحد، وقولها: ويراني فُضُلاً: أي متبذلة في ثياب مهنتها، أو في ثوب واحد لا إزار تحته.