إنهم رضي الله عنهم يسألونه الأمن في ظل الكعبة وهو يحدثهم عن أمن وإيمان ينعم به الراكب بين صنعاء وحضرموت ويثرب عليهم استعجالهم وقلة صبرهم ويمد أعينهم لأمم الصبر التي خلت من قبلهم وذاقت في سبيل دينها ما ذاقت من التعذيب والتكبل ومع ذلك ما صدت عنه ولا تنازلت عنه شيء منه ... ويوم هجرته صلى الله عليه وسلم بين القريتين فأدركه سراقة بن مالك فكان من أمره ما كان فقال له صلى الله عليه وسلم:"كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى"الله أكبر يبشر بسواري كسرى إنه الإيمان العميق بوعد الله والنظر بنوره فقد كان صلى الله عليه وسلم كلما اشتد به الكروب ألقى بناظريه في ساحات التفاؤل والمستقبل المشرق لهذا الدين وأهله فيزيده ذلك صبراً وثباتاً ... ويحميه من تداعيات الإحباط واليأس ... ويقيه من مناورات المساومات وإغراء التنازلات فقد مكث صلى الله عليه وسلم محصوراً في الشعب ثلاث سنوات يتململ على رمضاء الجفاء والقطيعة ويقاسي الجوع والفقر وماضي للكفر جبيناً وما عدل عن شيء من دعوته ولا لان في كلمته ولا نال أحد من همته ما غير في خطابه وحذف شيئاً من كتابه ... لأنه كان يعرف أن المحنة تنتهي بنصره وأن الصبر هو مناط أمره ... فكان صلى الله عليه وسلم ولم يكن أعداءه ...
أيها المؤمنون:
إن الإحباط والانكسار واليأس من المستقبل واحد من أدوات الشيطان التي بها عزيمة المؤمن من المضاء في سبيل ربه (( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) (آل عمران:175 ) ) , (( إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ) (المجادلة:10) .
بل هو واحدة من أساليب الأعداء لتحطيم الأجيال المسلمة وشل قدرتها على العمل والبناء ومن ثم استسلامها الكامل غير المشروط لكل ما يطرحه العدو وتقبلها لثقافته الفكرية ومنهجه الأعوج يقول أحد قادتهم معلناً على حرب الصليب على أفغانستان ( إن أهداف المرحلة القادمة تقتضي قطع جذور الإرهابيين من أصولها يعني المسلمين لا يخطر ببالهم في الحاضر أو المستقبل مواجة الحضارة الأمريكية إنهم يريدون أن تعيش أجيال المسلمين محطمة الروح ، ساقطة الهمة ترد مستنقعات الهزيمة تشرب فيها وتصدر عنها ...
والإسلام يحرم المسلمين أن يستلموا الشعور كهذا (( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) (آل عمران:139) .
ويضرب الله لأمة الإسلام خير الأمثال في الأنبياء السابقين وأمم الصبر التي سارت معهم في دروب الصبر والعزة والثبات (( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ) (آل عمران/148:146) .
والله عز وجل حينما يدعو عباده للصبر فهو ليس صبر العاجز الذليل المستكين وحينما يدعوهم للتفاؤل فهو لا يغريهم بالأماني الفارغات ، والأحلام والمنامات ، وإنما يدعوهم إلى الصبر والتفاؤل الذي يحميهم من التنازلات ويملأ حياتهم ببرامج العمل ومشاريع المقاومة والجهاد والدعوة والإصلاح ولا تستطيع ذلك إلا نفوس تتقد بالإيمان وتمتلء باليقين بوعد الله بالنصر إن طالت.
فهو وعد الله القادم ولن يخلف الله وعده (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) )ولكنه وعد مشروط بالثبات والاستقامة والعمل الدائب (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (النور:55) .
واعلموا إن التعامل مع الأحداث والأخبار والمستقبل بروح اليائس الذي لا يرى إلا العدو وظهوره وقهره إنما ذلكم عقاب إلهي يضرب الله به قلوب المعرضين عن كتابه والمتشككين في وعده وطعم العزة التي يتذوقها العالم بسنن الله الواثق بوعده .
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد .
واعلموا أيها المصلون أن الناس والاستكانة وما يتبعها من سلبية واستسلام أنما هي نتيجة لقسوة القلب وضعف العلة بالله فلاهثون خلف الملذات والشهوات ليس في حسابهم إلا الماديات فلا يقيس الأحداث إلا بها ولا ينظر للمستقبل إلا من خلالها فإذا فإذا حلت بأمته شدة أضمر اليأس في قلبه فكف يده عن نصرتها وشح بوقته عن أن ينشغل بقضاياها واستكثر أن يبذل جهده في صراع أراه الشيطان أنه خاسر لا محالة انظر إلى صورة أولئك البؤساء الصاغرين وهم يرفعون موقفهم بالأعذار (( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ) ) (الفتح:12) .
وعود الله المحققة وفضحهم كلامه المبين وتبددت ظنونهم التي أملاها عليهم الشيطان ونفوسهم المريضة المأخوذة بقوة الأعداء ... ذلك الصنف هو الذي يتنصل عن أعمال الخير ويعتذر عن المشاركة فيها (( إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) ) (التوبة:46,45) .
وصلى الله وسلم على محمد .
الحمد للهِ يغفرُ الذنوبَ، ويتوبُ على من يتوب ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريك له، مُقلب القلوبِ وعالمُ الغيوب ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله ..
كان الفتى يعيشُ في جنةِ الاستقامةِ، يتفيؤُ ظلالَ الإيمان، ويشربُ من رحيقِ القرآن ، كان يأوي إلى حملةِ المسكِ من الجُلساءِ الصالحين، ينهلُ من خيرِهم ويطربُ لمجالسهم .
كان الفتى يشعرُ بانشراحِ الصدرِ، وراحةَ البالِ، لأنَّ من اتبع هُدى اللهِ فلا يضلُّ ولا يشقى .
كان الفتى ممن يعمرُ المساجد ، ويرتادُ الحلقات، ويسابقُ إلى الخيرات .
كان الفتى تجللهُ الهيبةُ والوقار، فهيئتُهُ تسُرُّ الأنظار ، ووجههُ تزينهِ شعراتٌ من لحيهِ تزيدهُ نوراً وجلالاً .