الرقاق والأخلاق والآداب, سيرة وتاريخ
الفتن, القصص
خالد بن محمد الشارخ
الرياض
اللحيدان
ملخص الخطبة
1-انتصار السلف على الشهوات. 2- وقوع الكثيرين في أتون الشهوات المحرمة. 3- خطر الوقوع في محارم الله. 4- عفة يوسف عليه السلام ، وقصته مع امرأة العزيز. 5- حماية الله لمن حفظ جوارحه عن الحرام. 6- قصة جريج الراهب.
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المسلمون:
إن في كتاب الله وسنة رسوله عبر ودروس كفيلة بأن تنشأ جيلاً صالحاً ومجتمعاً فاضلاً، لا يعرف للرذيلة طريقاً ولا للخيانة سبيلاً، ولا للفاحشة داعياً، ولذلك ذكر الله لنا في كتابه أخبارهم وسيرهم وما ابتلوا به وكيف صبروا عليه، وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وكذلك ما أخبر به النبي من صبر الأنبياء والصالحين.
وما أحوجنا أيها الأخوة أن نعرف سير الأنبياء والصالحين وأن نستلهم دروسها ونعقل معناها وما يعقلها إلا العالمون.
ونعرف كيف صبروا في ذات الله، وتغلبوا على أنفسهم وعلى شهواتهم، وانتصروا عليها مع وجود دواعي المعصية، لكن رددوا بلسان حالهم ومقالهم: إني أخاف الله، ما أعظمها من كلمة، وما أوقعها في النفوس.
إني أخاف الله كلمة قالها أو يقولها رجل تدعوه امرأة ذات منصب وجمال، منصب فهي تحميه من الأذى وتحفظه من الفضيحة. وجمال: فالنفوس تتطلع إلى الجمال بحكم الجبليّة التي خلق الله عليها البشر، وليس هذا فحسب بل تدعوه هي ودون كلفة منه، فيصرخ في وجهها ويعلنها كلمة الحق، فيستحق بسببها أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
فيقول لها: إني أخاف الله.
(( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) )وذكر منه: (( ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله.. ) ).
فما أحوج شبابنا اليوم لهذه الكلمة، وأن يتعلموها في حياتهم، ولكنها غلبة الشهوة، وفقدان الوازع الديني، وذاهب الخوف من الله، ونسيان الآخرة.
أيها الأخوة:: كم من شاب باع دينه من أجل شهوة عابرة، وكم من شاب دنس عرض عائلته وسمعتها من أجل لذة ساعة، وكم من شاب أرخى سترة بينه وبين الناس فحارب الله بالمعاصي.. وكأن الله أهون الناظرين إليه، قال: وهب بن منبه: جاء في الكتب المتقدمة يقول الله تعالى:"إذا أرخى العبد ستره وعاقر بالله بالمعاصي ناداه الله من فوق سبع سموات: يا عبدي أجعلتني أهون الناظرين إليك."
لئن غابت عنك عيون الناس فلن تغيب عنك عين الله.
روى ابن ماجه بإسناد جيد عن ثوبان قال: قال رسول الله: (( يأتي أناس من أمتي بحسنات بيض كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً قالوا: يا رسول الله: ولم؟ فقال النبي: إنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) ).
وفي رواية قال النبي عن هؤلاء: (( يأخذون من القرآن ما تأخذون ولهم حظ من الليل، ولكنهم كانوا إذا خلو بمحارم الله انتهكوها ) ).
وإنها الشهوة التي من حفظها وحفظ لسانه معها فله الجنة التي عرضها السموات والأرض.
قال النبي: (( من ضمن لي ما بين لحييه(أي لسانه) ، وما بين فخذيه (أي فرجه) ضمنت له الجنة )).
واعلم أيها المسلم أنك إذا حفظت الله في جميع أعمالك وتركت الحرام خوفاً من الله وعملت العمل الحسن رجاء ثواب الله، فإنه لن يضيعك الله وسوف يجعل لك رقيباً من نفسك ويصرفك عن كل سوء ويثبتك إذا ضاقت بك الضوائق أو عظمت عليك ظلمات الفتن.
فهذا يوسف عليه الصلاة والسلام شاب أوتي من الجمال ما تحار الألسن عن وصفه.
وقد جاء في الأثر: أن الله لما خلق الجمال، جعل نصفه في يوسف، والنصف الثاني فرقه بين بني آدم.
شاب قوي ذكي فتي، شاب في ريعان الشباب، يمتلئ جسمه حيوية وقوة. تدعوه امرأة العزيز بعد أن أغلقت الأبواب ووضعت الحراس على الأبواب وتزينت له وتعرضت بين يديه، وهو في حال غربة وعزبة، وأسباب الفاحشة ودواعيها متهيأة له. فالمرأة الداعية، وقد تزينت بكل ما تملك، والدعوة في بيت آمن حيث منزل عزيز مصر، والأبواب مغلقة، ولكن يبقى باب السماء مفتوحاً فيتذكر يوسف من خلاله عظمة الله ويتصور رقابته فيرى برهان ربه فيقال إنه رأى أباه يعقوب عاضاً على أصبعيه، وقيل: إنه رأى صورة الملك. وقيل: رأى مكتوباً في سقف الحجرة: لا تفعل.
وهكذا يرى برهان ربه فيلوذ بحماه وينتصر على الإغراء والشهوة، ويمتنع من مقارفة الفحشاء ويستحق أن يكون من عباد الله المخلصين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ولما بلغ أشده واستوى....
وهكذا يكون المتهم يوسف عليه السلام فيحكم عليه بالسجن بعد أن دعا الله فقال: رب السجن أحب إلي مما يدعوني إليه وإلا تصرف عني كيدهم أصب إليهن وأكن من الجاهلين.
فسجن عليه السلام وما جريمته إلا لأنه حصن فرجه عن الحرام وحمى نفسه عن الوقوع في وحل المعصية وفي سياج الرذيلة.