فهرس الكتاب

الصفحة 6502 من 9994

فأبدل يوسف عليه السلام من رغد العيش وطراوته في مقر العزيز إلى شظف العيش وضيقه في السجن، مع ما في السجن من غربة وعزلة ووحدة، فآلام السجين تشتد حين يكون السجن ظلماً وعدواناً، ومحنة السجين تتضاعف حين يكون الطهر والعفاف جريمة وتهمة يؤاخذ بها، وتزاد الحيرة حين نعلم أن الذين سجنوا يوسف عليه السلام قد تبين لهم من الآيات والبراهين القاطعة ما يبرى ساحته ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين. فقدّ القميص من دبر، وشهادة الشاهد.

وحزّ أيدي النساء، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف كلها أدلة للبراءة.

ومع ذلك يسجن يوسف عليه السلام حتى لا تنشر فضيحة امرأة العزيز بمرادوتها يوسف عن نفسه عند عامة الناس. وهكذا حين يغيب العدل بين الناس ويسود الظلم.

أرأيتم يا أخوة اليمان: يوسف عليه الصلاة والسلام يسجن ويترك في السجن سبع سنين لأنه تعفف عن الحرام وقال: معاذ الله". فإين هؤلاء الذين يبحثون عن الفاحشة بأنفسهم أو يهيئون أسبابها ومقدماتها دون وازع من دين أو رادع من خلق."

فسفر للخارج ومعاكسات في الأسواق ومكالمات بالهاتف يغررون بذلك السذج من نساء المسلمين.

نعم سجن يوسف سبع سنين لأنه قال معاذ بالله. من الذي ثبت يوسف في ذلك الموقف الرهيب؟ إنها عناية الله. حفظ الله في الرخاء فحفظه في الشدة.

أيها الأخوة: لكن الله أعقب هذا السجن وهذا الذل الذي يلوح للناظرن لأذى وهلة، لكنها أقدار الله تسير على الناس وتحكم عليهم من حيث يشاءون ولا يشاءون.

أجل إخوة الإيمان: لقد أصبح يوسف بعد ذلك وزير المالية على بلاد مصر، سبحان الله أيها الإخوة إن المسافة هائلة بين غياهب الجب التي ألقي فيها يوسف عليه السلام وبين علو الشأن في ملك مصر.

والفرق كبير في عرف الناس بين يوسف وهو في غياهب السجن، وبين كونه من خلصاء ومستشاري عزيز مصر، وليس أقل من الفرق بين يوسف وهو بمثابة السلعة تباع وتشترى بأزهد الأثمان ويتنقل في الرق من سيد إلى سيد، وهو لا يملك من أمره شيئاً وبين يوسف عليه السلام وهو على خزائن الأرض يتبوأ منها حيث يشاء. يعطي الكيل لفئة ويمنعه أخرى، ويمنع الميرة والطعام عن وفد ويهبه لآخرين.

إنها عاقبة الصبر عن معصية الله، فيا أخي المسلم هل حفظت فرجك عن الحرام؟ وهل حفظت لسانك عن الحرام؟ وهل حفظت نظرك عن الحرام؟

إنها حماية الله وعنايته بعبده يوم أن يكون العبد ملتجأ إلى الله لم يخن الله في فرجه ولا في لسانه ولا في جوارحه. (( احفظ الله يحفظك ) ).

نعم، احفظ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، احفظ الله فلا يراك إلا حيث يحب ولا يراك حيث يكره، واعلم أنك بقدر ما تحفظ حق الله عليك، بقدر ما يحفظ الله عليك دينك ودنياك وسمعتك ومكانتك، ولا أدل من ذلك من قصة جاءت في الصحيحين من حديث أبي هريرة:

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا جرير عن حازم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي قال: (( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل، رجل يقال له: جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلي ) )وفي رواية: (( فصادفته يصلي فوضعت يدها على حاجبها، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته فرجعت ثم أتته فصادفته يصلي ) )، وفي حديث عمران بن حصين (( أنها جاءته ثلاث مرات تناديه في كل مرة ثلاثة مرات، فقالت أي أمه: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات ) )، أي وجوه الزانيات، فتعرضت له امرأة فكلمته فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها وفي رواية: عند الإمام أحمد: (( فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج فقالت بغي منهم: إن شئتم لأفتننه قالوا: قد شئنا فأتته فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأمكنت نفسها من راع كأن يؤوي غنمه إلى أصل صومعة جريج فولدت غلاما فقالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه ) ). وفي رواية: (( فأقبلوا بفؤسهم ومساجهم إلى دير فنادوه فلم يكلمهم فأقبلوا يهدمون ديره ) ). وفي رواية قال له الملك: (( ويحك يا جريج كنا نراك خير الناس فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه، فلما أمروا به نحو بيت الزواني خرجن ينظرن فتبسم، فقال: لم يضحك حتى مر بالزواني:(وهو إنما يضحك تذكر دعوة أمه: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات) .

فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا إلا من طين )) .

وهكذا يكون حفظ الله لعبده فانطق الصبي الذي ما زال في المهد لتبرأة عبده وعدم فضيحته وانتشار التهمة عليه.

بارك الله لي ولكم. . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت