فهرس الكتاب

الصفحة 4606 من 9994

#حلول شرعية للبطالة

7 / 11 / 1426هـ

للشيخ / محمد صالح المنجد

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد،، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي

محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

عباد الله، إن من المصائب التي ابتليت بها الأمة منه اليوم، فألحقها بركب التخلف في عدد من الميادين هو البطالة، فكثير من أفرادها لا يجدون شيئاً يعملونه، إما لعجز أو كسل، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من هذين،"اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل"، فتارةً يريد الشخص أن يعمل شيئاً ولا يستطيع وتارةً لا يريد أن يعمل أصلاً، العجز والكسل سبب البطالة والقعود عن العمل، وقد حثت هذه الشريعة على العمل وجاءت النصوص من الكتاب والسنة ببيان ذلك، فتارةً يقرن الله بين الضرب في الأرض والسفر للتجارة بالجهاد في سبيل الله، { علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } ، تجارة،

{ وآخرون يقاتلون في سبيل الله } ، جهاداً إذن قرن بين التجارة والضرب في الأرض من أجلها وبين الجهاد في سبيل الله، وتارةً يأمر بالعمل والسعي في طلب الرزق بعد العبادة فيقول: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } ، وتارةً يذكر من أسباب الرزق ما يخالط به عبادة من العبادات وهو الحج فيقول: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم } ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، أسواقاً في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها لما دخل الناس في الإسلام، قالوا: هل يجوز لنا أن نتاجر في موسم الحج وهذه الأسواق يجتمعوا فيها الناس؟، فأنزل الله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } ، أي: في مواسم الحج، وتارةً يخبر عزوجل عن حل البيع فيقول: { وأحل الله البيع وحرم الربا } ، وأما السنة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه ويمنعه"، رواه البخاري. وفي رواية"لأن يغدوا أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه فيستغني به عن الناس خير له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه ذلك فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى وأبدا بمن تعول"، وهذا الحديث الذي رواه الترميذي وهو صحيح فيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو أمتهن المرء نفسه في طلب الرزق وأرتكب المشقة في ذلك،، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، فدل على أن المسألة أقبح مد اليد للسؤال، أقبح من أن يمتهن الرجل نفسه بالعمل فيعمل حطاباً أو حمالاً فهذا يدل على بغض الشارع لمد اليد للسؤال، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعطه، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل، أو التبرم، والمضايقة من هؤلاء السائلين الملحين، وقال عدد من العلماء بأن سؤال القادر على الاكتساب حرام وأنه إثم، وكل ما زاد في السؤال والشحاذة وهو قادر، أو عنده ما يغنيه فإنه إذا كان عنده ما يغنيه ويسأل كل مسألة تكون جرحاً في وجهه وخدشا يوم القيامة، حتى إن أناس يلقون الله وليس في وجوههم مزعت لحم، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل ما يأكله المرء المسلم من كسب يديه وعمله بيده، فقال:"أطيب الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور"، حديث صحيح.

والبيع المبرور لا إثم فيه ولا كذب، ولا غش ولا تدليس، ولا بيعاً على بيع أخيه، ونحو ذلك،، من المحرمات كبيع المجهول، وبيع الغرر، ونحوها،، وقال عليه الصلاة والسلام:"ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يديه وإن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده"، ومع أن الله جعله خليفة في الأرض لكنه أبتغى الأكل من طريق الأفضل، واعتبرت الشريعة أن العمل من أجل النفقة على النفس والأهل نوعاً من السعي في سبيل الله، لكي لا تستحقر النفوس هذه العملية ولا يزهد بعض الناس فيها ولذلك مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، هذا الرجل صاحب النشاط والقوة لو بذل نشاطه في الجهاد وقوته بدلاً من أن يبذله في السعي والكسب والعمل الدنيوي، فقال عليه الصلاة والسلام:"إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان"حديث صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت