عن جابر رضي الله عنه قال: (كنا في غزاة فكسع(أي ضرب) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار, فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين, فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال ما بال دعوى الجاهلية, قالوا يارسول الله كسع رجل من المهاجرين رجل من الأنصار, فقال: دعوها فإنها منتنة) - صحيح البخاري0
فلو لم يلجم المصطفى صلى الله عليه وسلم, هذه الفتنة بدفنها في مهدها, لفتحت الباب على مصراعيه, لعتاة المنافقين من أمثال عبد الله بن أبي وغيره ليمرروا مشاريعهم الهدامة بحجة الغضب لقومهم, فعبد الله بن أبي لما سمع بما حصل قال:"فعلوها أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل, فعندما سمعه عمر بن الخطاب رضي الله قال: يارسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه لا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه"0
فأحفاد عبد الله بن أبي لا زالوا بين أظهرنا, يتحينون الفرص للانقضاض على ثوابت الأمة, ومقومات وجودها0
أرى تحت الرماد وميض نار
فيوشك أن يكون لها ضرام
فإن لم يطفها عقلاء قوم
يكون وقودها جثث وهام
إن نعمة المنبر على أمة محمد صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة، ومنحة كريمة، فمن خلاله يتم تذكير الناس بربهم، وترغيبهم لفعل الطاعات، وهجر المعاصي والموبقات، والحديث عن أخبار المسلمين ومعاناتهم، وتبيين ما يحتاجونه من إخوانهم، مع تناول القضايا المهمة التي تحدث في الساحة ليكون المسلم على بصيرة، وليعلم المستمعون كيف يتعاملون مع النوازل، مع كشف خطط الأعداء وفضح ألاعيب المنافقين والأعداء الألداء.
ومن هذا المنطلق حسدنا على المنبر أهلُ النفاق، فصاروا يكتبون وفي إعلامهم يهرفون بما لا يعرفون .. ويريدون فصل الدين عن الحياة:
فما علاقة المنبر والخطيب بقضايا السياسة؟!.
وهل إمام المسجد إمامُ أم منظًر سياسي؟!.
إنهم يُلبسون كلامهم هذا بالغيرة على المساجد واحترام قدسية بيوت الله.
فيا سبحان الله!!.
الذئب ينقلب بقدرة قادر حملاً وديعاً!.
صدق الله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً) : (لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ...) .
فأهل النفاق يقلبون الأمر على الناس، ويوهمونهم، فيُقال لمن يحسن إلى أمته، ويرجو نجاتها، ويخاف عليها من غفلتها:"إنه متشدد أصولي متطرف"!
وعلى النقيض، يقال لأهل النفاق:"إنهم متحررون ومجددون، وتنويريون وعقلانيون ومصلحون"؟!
(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) .
إن هناك فرقاً بين أخطاء فردية من بعض الخطباء، و بين تأصيل الموضوع، فهم يطالبون ألا يتحدث الخطيب عن قضايا الأمة، وأن يكون المسجد مخصصاً للعبادة فقط، وقد نسى المتغافلون هؤلاء أن المسجد كان مبعثاً للجيوش الإسلامية، ومنطلقاً للقاءات والحوارات.
وفي الوقت الذي يطالب هؤلاء بقصر المسجد على العبادة وألا يتحدث الخطيب عن قضايا السياسة، في حين أنهم يسمحون لأنفسهم أن يتحدثوا في كل شيء! ويقرروا الحلال والحرام! وكأن الواحد منهم شيخ الإسلام، ومفتي الأنام!.
وكأن الدين مستباح لكل من هب ودب ومشى ودرج.
(فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) . (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) .
لن أجهد قلمي في تقرير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث على منبره في قضايا متنوعة، فتارة في أمور العبادة، وتارة في موعظة تذرف منها العيون، وتخشع لها القلوب، وأحيانا في بيان أحوال المسلمين، وحث الناس على الإنفاق من أجل معاونتهم والوقوف معهم، وما كتبه العلامة ابن القيم في زاد المعاد في المجلد الأول كافٍ ووافٍ في المقصود، فخلافنا ليس مع طلاب علم يبحثون عن الحق ويطلبونه، إنما خلافنا مع أناس ندرك مشاربهم ونعرف توجهاتهم، ونسأل الله أن يردهم إلى الحق رداً جميلاً.
1.إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لم يحرّم شيئاً إلا لما فيه من الضرر على العباد أفراداً وجماعات، وقد جعل الله طريق المعاصي سهلاً وميسّراً ابتلاءاً للناس وامتحاناً لهم، بخلاف طريق الحلال، كما جاء في الحديث:"حُفّت الجنّة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات".
وقد جعل الله - جلّت قدرته - عاقبة المعاصي ذلاً وشقاءاً دائمين، لا يزولان إلا بالرجوع إليه سبحانه، والتمسّك بشرعه المطهّر، كما قال بعض السلف عن أهل المعاصي:"إنهم وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه".
وكان بعض السلف يقول في دعائه:"اللهم أعزّني بطاعتك، ولا تذلّني بمعصيتك".
2.السعادة الحقيقيّة لا تكون أمراً ملموساً إلا باتّباع شرع الله - عزّ وجلّ - واجتناب معاصيه، كما قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) . [سورة طه، الآية: 123- 124] .
3.الثراء وحده لا يجلب السعادة، بل قد يكون سبباً للشقاء والتعاسّة، فإنّ صاحب المال يشقى أوّلاً في طلبه وجمعه، ثمّ يشقى بعد ذلك في حفظه وصيانته وتشغيله، وهو في الغالب سبب للترف والتنعّم المفضي إلى كثير من الآفات المردية، والتي تحول بين صاحبها وبين كثير من الشهوات واللذائذ حتى الحلال منها.
لكن إذا جمع الإنسان بين الثراء المشروع وتقوى الله - عزّ وجلّ - فـ:"نعم المال الصالح للرجل الصالح". يصل به رحمه، ويعلي به كلمة الحقّ.
4.وليس ذلك على إطلاقه، لا سيما إذا استُعمل هذا المال في طاعة الله، وأُنفق في وجوهه الشرعية، لكنّ واقع كثير من الأثرياء خلاف ذلك، لذا تراهم يشعرون بالتعاسة والملل جزاء وفاقاً.
5.الهروب من الواقع بالانتحار أو تعاطي المسكرات والمخدّرات، ونحو ذلك؛ ليس هو الحلّ للخروج من الأزمات والشدائد، بل هو سبب للارتكاس فيها، وخسارة الدنيا والآخرة، ما لم يتدارك الإنسان نفسه بتوبة نصوح.
والمؤمن الصادق إذا وقع في أزمة أو شدّة، إنّما يهرب إلى ربّه وسيّده ومولاه الذي بيده مفاتيح الفرج، فيجد عنده الفرج والمخرج من كل ضائقة وشدّة، وفي سورة الأنبياء قصّ الله علينا أخبار كوكبة من أنبيائه وأوليائه، وقعوا في أنواع من الشدائد والابتلاءات، ففرّوا إليه سبحانه، ولجأوا إليه، فكشف ما أصابهم من ضرّ.
فنصيحتي لكلّ مكروب ومأزوم أن يهرب إلى الله، ويفرّ إليه بقلبه وقالبه، وسيجد عنده الفرج والمخرج، بل سيجد السعادة الحقيقية الأبدية.
6.ذكر السلف - رحمهم الله - إنّ للصبر أقساماً ثلاثة:
• الصبر على أقدار الله.
• والصبر على طاعة الله.
• والصبر عن معاصي الله.
فمن أتي بهذه الثلاث فقد استكمل الصبر.
كما ذكروا - رحمهم الله - أنّ الإيمان نصفان كما دلّت على ذلك النصوص الشرعيّة: نصفٌ شكر، ونصف صبرٌ، فالصبر شطر الإيمان، والله ـ عزّ وجلّ ـ يقول في كتابه الكريم: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) . [سورة الزمر، الآية: 10] .
وقد مدح الله - عزّ وجل - الصبر في كتابه في قرابة تسعين موضعاً، فحريّ بالمؤمن أن يتحلّى بهذه الصفة العظيمة ليصل إلى السعادة.
فإذا اقترنت هذه الخصلة العظيمة بالشكر للخالق سبحانه على ما أنعم به من النعم؛ كان ذلك تمام الإيمان، ووصل الإنسان إلى قمّة السعادة التي يبحث عنها.
والله الموفق،،،،،،
وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين،،،،