ومن هنا فإن المواقف المشرفة من هذه الحكومات أو المنظّمات العربيّة والإسلاميّة تمثّل واجبا شرعيّا، ومطلبا سياسيّا واستراتيجيا لأمن المنطقة واستقرارها، (( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) ) (الأنفال:72) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ) (التوبة:60) .
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع، ويخفضُ ويرفع، ويضرُ وينفع، ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة، والنعمةِ المُسداة، وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين،
أمَّا بعدُ:
إخوة الإسلام: ومن واجب الحكومات إلى واجب الشعوب المسلمة تجاه فلسطين، وقبل الواجب أشير إلى شيء من المبررات والدواعي لا بدّ أن نستحضرها جيّدا حين يكون الحديث عن فلسطين.
-فهي الأرض التي بارك الله فيها، هي قبلة المسلمين الأولى، إليها كان مسرى نبيّنا محمّد- صلى الله عليه وسلم-.
-مسجدها الأقصى..إليها تشدّ الرحال، والصلاة فيه لها مزيّة وفضل.
-الأرض المقدّسة كانت محلّ تعظيم موسى عليه السلام، و محلّ دعوته، فقد سأل الله أن يدنيه عند الموت منها رمية بحجر، قال- صلى الله عليه وسلم-: (( فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر ) ) (رواه البخاري في صحيحه) .
-أرض الشام - وأبرزها الأرض المباركة- إليها يصير الناس في آخر الزمان حين تخرج نار تحشر الناس من حضرموت، قلنا فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشّام.
-وهي أرض المحشر فقد أشار غير واحد من المفسّرين كالقرطبي وابن الجوزي على أنّ تفسير قوله تعالى: (( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) ) (ق:41) .
أن إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس وينادي الناس هلمّوا للحساب، فيكون بدء المحشر من هناك، كما جاء في المسند عن ميمونة بنت سعد رضي الله عنها (مولاة رسول الله) ، أنها قالت: يا نبيّ الله أفتنا في بيت المقدس، قال- صلى الله عليه وسلم-: (( أرض المحشر والمنشر ) ).
-إنها أرض الانتصارات للمسلمين منذ أن حرّرها عمر رضي الله عنه، وفتح بيت المقدس إلى أن حرّرها مرّة أخرى صلاح الدين، وانتزعها من أيدي الصليبيّين، إلى أن كانت عهدة غالية في أيدي العثمانيّين، وهي اليوم مسؤولية المسلمين داخل وخارج فلسطين لتحريرها من أيدي الصهاينة المغتصبين.
-فلسطين في قلب كلّ مسلم ومسلمة يشعر بفضل المسجد الأقصى وأرضها المباركة، ويستشعر عدوان اليهود والنصارى وعبثهم بمقدّسات المسلمين واضطهاد شعبها المسلم الأبيّ.
ما واجبنا تجاه إخواننا في فلسطين بشكل عام؟ وفي زمن الحصار والتصعيد بشكل خاصّ؟ إنّ من حقوقهم علينا النصرة المشروعة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ) ).
وهم اليوم أحوج ما يكونوا للنصرة، والنصرة مادية ومعنويّة، ننصرهم بالمال ليطعم الجوعى، ونوفّر الدواء للمرضى والجرحى، ونوفّر السكن لمن هدمت مساكنهم، ونعوّض من جرفت الجرافات الإسرائيليّة مزارعهم- وهي مصدر رزق أساسيّ لهم، كما ننصرهم بالمال لنسهم في توفير التعليم والعيش الكريم لأبنائهم وبناتهم.
وننصرهم بالدعاء لتفريج كربتهم وإبطال كيد أعدائهم، وجمع كلمتهم، وتثبيت مواقفهم، والنصر على أعدائهم، من حق إخواننا في فلسطين أن نتحرّك لقضيتهم في ملتقياتنا الخاصّة والعامّة، وأن تكون واحدة من همومنا، فشعب يحاصر ويذل عبر عدة عصور، ومن جملة من الأعداء، لا يسوغ أن ننساهم ومقدّسات تتعرض كلّ يوم للعبث والإفساد، ومحاولات التغيير لا ينبغي أن يتخلّى عنها، وندع العابثين يعيثون فسادا في جنباتها.
لقد تجلّت مواقف الغرب في الاتحاد والمحاصرة، ورموا الفلسطينيّين عن قوس واحدة، وهذا لون من ألوان الموالاة والتكتّل في المواقف، ونحن المسلمون أولى بالولاء والنصرة، (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) ) (التوبة:71) .
ولو أنّ كلّ مسلم وفّر من مصروفه الخاص لهذا الشعب الممتحن لاجتمع من ذلك شيء عظيم، ومن لم يستطع أن يساهم بماله فبإمكانه أن يكون واسطة خير مع الآخرين، ومن دلّ على خير فله مثل أجر فاعله، ولن يعدم المحسنون وسيلة لإيصال تبرعاتهم، لا سيما والمؤسّسات والهيئات الإسلاميّة والمنظمات تقوم بدورها في إيصال الدعم والمساندة لهذا الشعب المحاصر، بل في بعضها- كالندوة العالميّة- لجنة خاصة بفلسطين.
الكُتّاب والمفكّرون والمثقفون حق عليهم أن يساهموا بعقولهم وأقلامهم في تعميم الوعي بأمّ القضايا قضيّة فلسطين، وأهل الجاه والسلطان هذا ميدان كريم لبذل جاههم في نصرة إخوانهم؛ ومن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.
إنّ من العيب أن تحاصر أو تباد الشعوب المسلمة- وإخوانهم يتفرجون أو يكتفون بالحوقلة والتحسر لا أكثر، ومن يتق الله يجعل له مخرجا- والشيطان يعدكم الفقر والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، كم هو جميل أن تتبنى أسرة بيتية، أو أسرة مدرسية، أو زملاء في العمل، أو جيران جمع تبرع لدعم ومناصرة إخوانهم في فلسطين، والقليل يبارك الله فيه، ومن المهم تسليمها إلى قنواتها الرسميّة الموثوقة.
في ملحق الرسالة لجريدة المدينة اليوم 30/ 3/ 1427 هـ دعوة لتعجيل الزكاة لإسعاف الفلسطينيين، فقد أجاز النبيّ- صلى الله عليه وسلم- بتعجيلها لسبب أو لآخر، واعتبر أحد العلماء صرف الزكاة لهم بأكثر من وجه، فهم فقراء ومساكين وجائعون وغارمون، وأبناء سبيل مشردون عن أرضهم، وهم مجاهدون في سبيل الله، وأضاف أن مساعدتهم ليس تفضّلاً منّا عليهم بل هم أصحاب فضل بجهادهم ليس عن أرضهم بل عن أرض الإسلام.
إنّ مواقف المسلمين النبيلة مع إخوانهم في فلسطين في محنتهم الحاضرة موقف تاريخيّ يسجّل، وحين يتهاون أو يتردّد المسلمون في هذه النصرة فقد يكون سبباً في سقوط هذه الحكومة المنتخبة، وحينها سيفرض اليهود وحلفاؤهم حكومة يرضونها، وستتجاوز الآثار السلبيّة فلسطين إلى غيرها، وصدق الله: (( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ) ) ( البقرة:251) .
الحمد لله الذي نور بصائر المؤمنين فوفقهم للأعمال الصالحات، ودعاهم إلى دار السلام في روضات الجنات، فأجابوا مسرعين، ولبوا طائعين، ليقينهم أن ما عند الله خير وأبقى .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مقر بربوبيته، شاهد بوحدانيته، منقاد إليه لمحبته، معترف بنعمته، مؤمل لعفوه ورحمته، طامع في مغفرته، فهو أهل التقى وأهل المغفرة سبحانه وبحمده لا إله غيره ولا رب سواه .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله للإيمان مناديا، وإلى الجنة داعيا،إلى صراطه المستقيم هاديا،فأنقذ الله به أقواما من الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد والملة الحنيفية ، وتربى على يديه أئمة أبرار دعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ،فأحيا الله بهم القلوب وأنار بهم السبل ، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وارض اللهم عن أصحابه المهتدين واجمعنا بهم في جنات النعيم .
أما بعد: