فهرس الكتاب

الصفحة 8982 من 9994

وعلى نفس الشاكلة تقضي البنات سويعات فراغهن؛ فمجموعة يلعبن بالعرائس المصنوعة باليد، وأخريات يلعبن الخطة (الأولى) ، وبعضهن يجمعن في علب قطعاً صغيرة من كرات وأزارير، وغيرها مما زهدت فيها أمهاتهن ليمارسن لعبة [الدبق] ...إلخ.

وحين يطوي الظلام نور النهار وتأوي الطيور إلى أوكارها، يعود الرفاق الصغار إلى منازل ذويهم، وتعود الصغيرات إلى أعشاشهن مشبعات بأمل اللقاء في الغد، مترعات بحياة بسيطرة بساطة آمالهن.

في ذلك الوقت لم تكن القنوات الفضائية، ولا المواقع المشبوهة في (الانترنت) ، ولا الصحبة الفاسدة. ولم يكن هاجس الآباء والأمهات أو المعلمين والمعلمات: كيف يقضي الأولاد والبنات أوقاتهم؟!.

وحينها أيضاً كان شغل رجل الحسبة [مطوع الهيئة] الشاغل هو أن يحث الآباء على مراقبة صلاة أبنائهم، وأن يحث الأبناء على دخول المساجد.

ولما شبت الرياض (كمثال) ، وطال شعرها، وأخذت تجول بناظريها يمنة ويسرة، غرباً وشرقاً، وحين بدأ يخطب ودها كثير من العمالة طلباً للعمل بشكل لم تعهدهم حجماً ولا جنساً؛ نتج عن ذلك كله أمور لم تعهدها، وأقض ذلك مضاجع أبنائها حين غلب مبدأ التأثير، أو كاد يغلب.

وعرفت تلك المدينة من القضايا ما لم تعرفه سابقاً، وغدت هناك أمور تختلف عن مسألة التذكير للصلاة، ومتابعة شاربي الدخان، ووضعت ألف دائرة ودائرة على ما يحاك ضد النشء من غزو فكري غزاهم في عقر دورهم، فلم يعد الوالدان المسئولان فقط عن تربية الأبناء بعد أن تدخلت قنوات أخرى في ذلك.

ولم تكن المرأة بمعزل عن ذلك، فغدت مرمىً تصوب الأهداف المشبوهة إليه.

بل إن الأمن والسكينة أصبحا موضع حسد الحاسدين، فمن أراد من تلك العمالة الوافدة أن يتربص بعفة تلك المدينة أنشأ داراً للتلهي، ومن أراد أن يكيد المكائد ضد عقلها روج الخمور والمخدرات.

وبعد أن كبرت الرياض (كمثال) وكثر حسادها: هل ظلت وظيفة المحتسب المناداة للصلاة الصلاة؟! وهل بقيت تلك الوظيفة للمحتسب فقط؟!.

ألم يحن الأوان لأن يدخل جمعٌ في الأداة التي تأمر وتنهى بتكليف: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

فالأم والأب في أسرتهما حين يجعلان من العناية بأبنائهما ممارسة تربوية بناءة، والمعلم والمعلمة في مدرستيهما لو جعلا من الدرس مجالاً لتنوير أذهان الطلبة والطالبات بما يعزز شخصياتهم الإسلامية، والصحفي والكاتب لو جعلا من كتاباتهما قنوات لتوعية المجتمع وتبصيره.

ولو قام كلٌّ في عمله بدوره التوعوي الإرشادي التوجيهي لغدوا من الأمة التي وعد الله بفلاحها، فأيديهم في يد المحتسب عوناً له ومساندة لجهوده، والنتائج لا تطال شخصاً بعينه، بل إن مداها للأمة كلها، حينذاك نكون كلنا محتسبين ومحتسبات، فلن يكون للغزو الفكري راية ترفع، لا من خلال مقال ولا برنامج أو قناة أو موقع في الانترنت، وحينها ستكفأ أوعية الحاسدين في وجوههم.

وحفظ الله هذه الأمة،،

(عن صفية بنت حيي بن اخطب رضي الله عنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه، والى عمي أبي ياسر، لم القهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه..

قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي وعمي مغلِّسين، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس..

قالت: فأتيا كالّين كسلانين قنطين يمشيان الهوينى، قالت: فهششت إليهما كما كنت أهش من قبل، فوا لله ماالتفت إلي واحد منهما ، مع مابهما من الغم..

قالت: وسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: اهو هو؟؟..قال: نعم، قال: أتعرفه وتثبته؟؟.

قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟؟. قال: عداوته والله مابقيت....)

وهكذا حدد حيي بن اخطب موقفه وموقف اغلب اليهود من هذه الدعوة الوليدة ومن رسولها إلى قيام الساعة، ذلك الموقف الذي تمثل في تلك الكلمتين: عداوته والله مابقيت..

لم تكن تلك الكلمة التي قالها عدوالله وعدو رسوله حيي بن اخطب هي مجرد كلمة قالها تحت تأثير الغضب، ولم تكن مجرد شعار رفعه للاستهلاك المحلي كما يقال،

بل كانت بمثابة إعلان حرب لن تنته، في حسه ووفق مخططه، إلا بنهاية هذه الدعوة وقتل رسولها..

كان دأبه ومنهجه المستمر، الكيد لهذه الدعوة ومحاولة إيذاء رسولها بأي وسيلة، وكان وراء كل محاولات التمرد والتخريب التي قام بها اليهود والمشركون في المدينة لزعزعة استقرار هذا المجتمع المسلم الوليد..

الفرصة السانحة:

ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يهود بني النضير، وهم قوم حيي بن اخطب، يستعين بهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وجلس عليه الصلاة والسلام ينتظرهم تحت الحصن، وهنا تحركت دسائس الحقد والمؤامرة المتأصلة في نفوس يهود، وكانت الفرصة السانحة التي طالما انتظروها، لتنفيذ تلك الجريمة، جريمة قتل النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الوحي قد سبقهم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة، ومن ثم كان حصار بني النضير وإجلائهم وتفرق شملهم...ولا يخفى بطيعة الحال دور حيي بن اخطب في تلك المؤامرة...

كان ماحصل مع بني النضير وما نتج عنه من حصارهم وإجلائهم، كان يمكن أن يكون فرصة لحيي بن اخطب أن يراجع مواقفه العدائية من تلك الدعوة ومن رسولها، فان لم يعلن إسلامه، فعلا الأقل أن يكف شره وينكفئ على نفسه، وكان متوقعا أن ماحصل يمكن أن يفتّ في عضده وان يفترِّ حماسه في محاربة هذه الدعوة ونبيها، أو أن تهتزّ قناعاته في جدوى هذه العداوة وهذه الحرب....

لكن أيا من هذه التوقعات وهذه الآمال لم يحدث، فما الذي حدث إذا؟؟....

تحزيب الأحزاب:

خرج حيي بن اخطب ومعه نفر من يهود بني النضير إلى قريش بمكة يحرِّضونهم على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدوهم بالنصر، فأجابتهم قريش..

ثم خرجوا إلى غطفان والى بعض قبائل العرب، يدعونهم إلى ماد عوا إليه قريشا، فاستجابوا لهم، وهكذا نجح هذا اليهودي الخبيث ومن معه في تحزيب الأحزاب وتأليبهم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى دعوته، واجتمع أكثر من عشرة آلاف من المشركين، لايجمع بينهم إلا بغض هذا الدين ونبيه والحرص على القضاء عليه..

لم يكتف حيي بن اخطب بهذا رغم الانجاز الكبير الذي حققه بتجميع هذه الأحزاب، بل كان حريصا أن تكون عوامل نجاح الخطة مكتملة، فهي الفرصة الأخيرة للقضاء على هذه الدعوة وعلى نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم، فخرج حتى أتى كعب بن أسد القرظي، سيد بني قريظة، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده على ذلك وعاهده،فقال له: ويحك ياكعب، جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وبغطفان على قادتها وسادتها، قد عاقدوني وعاهدوني على ألاّ يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، فقال له كعب: بل جئتني بذل الدهر، ويحك يا حيي، فدعني وما أنا عليه فاني لم أر من محمد إلاّ صدقا ووفاء، فلم يزل حيي بكعب حتى نقض كعب العهد وبرئ منه، على أن يدخل حيي في حصن قريظة فيصيبه ما أصابهم...

نهاية الغدر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت