فهرس الكتاب

الصفحة 4208 من 9994

#تأملات قرآنية (من نبأ موسى وفرعون) (2 ـ 2)

د. أحمد عبد الله العماري

تحدث الكاتب وفقه الله تعالى في الحلقة الماضية عن ميلاد موسى ـ عليه السلام ـ وما صاحب ذلك من الأمور العظام حتى اضطر إلى الهجرة خوفاً من دعوته وملته، ويواصل في هذه الحلقة الحديث عن عودة موسى ودعوته لفرعون، والمصير الذي لاقاه فرعون لرفضه هداية الله.

13 ـ (الرحلة البرية الثانية لموسى ـ عليه السلام ـ رحلة العودة إلى الوطن) :

إن من سنن الله ـ تعالى ـ في خلقه حنين الإنسان إلى وطنه مهما كان في ذلك الوطن من العنت والشقاء. وإن نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ لمّا غادر وطنه بغير رضىً منه أو اختيار، وغاب عنه سنين عديدة، بسبب جور الظالمين عليه، أعد عدَّته وعاد إلى وطنه، بعد ما قضى ذلك الأجل الذي تمّ بينه وبين ذلك الشيخ الكبير، والذي يُقدَّر بعشر سنوات، ويسدل الستار على تلك السنوات العشر، لا ندري ماذا تلقَّى فيها موسى، وماذا عمل فيها؟ إلاّ رعيه للغنم فقط، ثم عقد العزم على الرجوع إلى أهله وبلاده، مستصحباً معه في طريقه أهله ومتاعه، ويلقى في تلك الرحلة من المشاهد والمواقف الشيء العظيم، والنص القرآني يبين ذلك ويوضحه بدون تفصيل.

قال ـ تعالى ـ: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يَعْقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص: 29 - 32] .

إن هذا النص القرآني الكريم يحمل في طياته أخبار تلك الرحلة بإيجاز، ويعرض لنا مشاهدها باختصار، مع التمام في المعنى، وهذا من بلاغة القرآن وفصاحته وعظمته.

لقد عاد موسى ـ عليه السلام ـ إلى بلاده برفقة أهله وبعض متاعه، يحثُّ الخطو إلى بلاده ـ عادة كل غائب يعود إلى أهله وأرضه ـ لكن يفاجأ ـ عليه السلام ـ بنداءات ومشاهدات وبراهين لم يعهدها من قبل في طريقه، ممّا أثار في نفسه الخوف والوجل والقلق والحذر، ومن تلك المواقف:

1 ـ مشاهدته لنار بعيدة عنه وهو في ليلة مظلمة مطيرة؛ قاصداً الاستضاءة بها، والتصلية، والتدفئة.

2 ـ سماعه النداء من الشجرة في البقعة المباركة الصادر من الله رب العالمين.

3 ـ رؤيته لعصاه بعد إلقائها وهي متغيرة عليه في صورتها وخلقتها وحركتها، وخوفه منها.

4 ـ منظر يده بعد أن أخرجها من جيبه وهي بيضاء نقية من غير سوء.

5 ـ وجود الاطمئنان والسكون بعد أن يضع يده على قلبه، رحمة من الله ـ تعالى ـ به.

هذه المواقف العظيمة التي شاهدها موسى ـ عليه السلام ـ وهو في طريقه إلى أهله وبلاده، ما كانت تخطر بباله، ولا كان يتوقع رؤيتها وسماعها، وبناءً على ذلك أصيب بالخوف وعدم الاطمئنان، لكن عناية الله ـ تعالى ـ لعبده وتكريمه له، ترافقه من المهد إلى اللحد.

إن أعظم مشهد وموقف قابله موسى ـ عليه السلام ـ في هذه الرحلة البرية هو تكليف الله ـ تعالى ـ له بالرسالة إلى عدوه اللدود «فرعون» الذي هرب منه في أول الأمر، وهجر أهله وأرضه من أجله، وهذا تحقيق لوعد الله ـ تعالى ـ الذي لا يخلف الميعاد حيث طمأن أمّه بأنه ـ سبحانه ـ سيرُدُّه إليها، وفوق ذلك سيجعله من المرسلين. كما قال ـ سبحانه ـ: {وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] .

ومن المواقف العظيمة التي لاقاها موسى في طريقه، كون ربه الذي خلقه يناديه، ويتكلم معه بدون واسطة، هذا هو الفضل العظيم، وهذا هو العطاء الجزيل، الذي لا منّة فيه ولا نفاذ.

أيّ تكريم، وأيّ تشريف هذا ترجع به يا موسى إلى أمك وأهلك وأعدائك بعد رحلتك المضنية، وغربتك المتعبة؟! فارقت أمك وأهلك ووطنك، وأنت في حالة يرثى لها من الخوف والمطاردة، والغربة والوحشة، تمكث في غربتك عشر سنين، والشمس تشرق عليك وتغرب، وأنت خلف غنيمات تغدو بها وتروح، والله هو الوحيد الذي يعلم ما يكُنُّه صدرك، وما يلوح في ذهنك، وما تأمرك به نفسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت