فهرس الكتاب

الصفحة 7935 من 9994

الغيرةُ خلقٌ كريم, يكادُ يُختنقُ في زمنٍ سُميت فيه الفاحشةُ حُرية, وسُميت فيه الرجولةُ رجعية, قال الغزالي: ( إنَّ من ثمرةِ الحميةِ الضعيفة, قلةُ الأنفةِ من التعرضِ للحُرم والزوجة والأمة، واحتمالُ الذل من الإخاء وصفر النفس والقماءة, وقد يثمر عدم الغيرةِ عن الحريم, فإذا كان الأمرُ كذلك, اختلطتِ الأنسابُ، ولذلك قيل كلَ أمةٍ ضَعفت الغيرةُ في رجالها, ضَعفت الصيانةُ في نسائها, فإنَّه قد خُلقت الغيرةُ لحفظ الأنساب, فعلى هذا كل أمةٍ فُقدت الغيرةُ في رجالها, فُقدت الصيانةُ في نسائها,"ولا خير في رجلٍ يرى في أهله ما تنكس له رؤوس الأحرار ثم لا تجيش في نفسه أحاسيس الرجال, وأقسم بالله إنَّ حالَ المرأةِ ليدلُ أصدقَ الدلالةِ في غالبِ الأحيان على مقدارِ نفسِ رُعاتها من الغيرة, فلو فتشت وراء المتهتكات المتبرجات, لوجدتَ وراءهنَّ أشباه رجالٍ, قد تحرت فيهم أدواءُ الديانة, واستسلموا لتياراتِ الفجور, ولذلك فهو يرى من ولاهُ اللهُ رعايتها, تقلبُ وجهها في وجوهِ الرجال, ويراها تُحادثُ الأجانب وتُضاحكهم, وتتكسرُ أمامهم, وتتفنج لهم, أو يرى بناتهم وهنَّ يُقلبن أبصارهنَّ في وجوه البغايا والمومسات, اللاتي دخلنَّ البيوتَ المسلمة من خلالِ الشاشات, ويرى نساءهُ وهنَّ يتمايلنَّ طرباً مع رنات الفجور, ونغماتِ الفسق, ويرى صورةَ العُراة والعرايا تملأُ الشاشة في بيته, أمام أعينِ أولاده وبناته, ثم لا تتحركُ في قلبه بواعث المروءةِ, لموت غيرتهِ وانعدام رجولته, وضد ذلك ترى المرأةَ العفيفة المتحجبة, ذات الطرف الفضيض, والصوت الخفيض, والمشيةَ المحتشمة, ثم ترى خلفها رجالاً أباةً ذوي مروءةٍ, وأهلُ حمايةٍ وصيانة, وأجل طرفك في البيتِ الذي تربت فيه, تراه محصناً طاهراً, لا تجدُ فيه صورةً فاضحةً, ولا تسمعُ منه نغمةً آثمة,(( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) ) (لأعراف:58) أجل أيها المؤمنون: إنَّكم في زمنٍ آلا فيه الأعداءُ على ترويضِ الرجال على الديانة, وتربيةَ النساءِ على الفجور, ولا سلامةَ إلا بفقه الحدودِ التي حدها الله لصيانةِ الأعراض, ولا أمانَ إلا بتربيةِ الرجال على الغيرة على الحُرم, وهي من أكرمِ شمائلِ الرجلِ المسلم, لما يترتبُ عليها من المصالح, ولما يدفعُ اللهُ بها من السُوء عن الأمة, وكلما علت رتبةُ المرءِ في الإيمان زادت غيرتُه, ولا غيرةَ لمن لا إيمانَ له, ولهذا كان الرسولُ صلى الله عليه وسلم أشدُّ الأمةَ غيرةً, وكان يَروي عنها أصحابهُ, فلمَّا قيل لسعد بن عُبادة- رضي الله عنه- )) يا أبا ثابت قد نزلت الحدودُ لو أنَّك وجدت مع امرأتك رجلاً كيف كنت صانعاً ؟ قال: كنتُ ضاربيهما بالسيفِ حتى يسكُنا ، فأنا أذهبُ فأجمع أربعة ؟ فإلى ذلك فقد قضى حاجتهُ, فلما سمعهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ضحكَ وقال: تعجبون من غيرةِ سعد,! لأنا أغيرُ منه والله أغير مني )) رواه البخاري ."

إنَّ الغيرةَ صفةٌ حميدةُ لله عز وجل, أكملَها وأجملَها وأعلى مراتبها, عن أبي هريرةَ- رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّ الله تعالى يغارُ وغيرتُه أن يأتي المؤمن ما حرَّم الله عليه ) .

فهي حرارةٌ يجدُها المؤمنُ في قلبه, إن يُراد يعرضه سوءاً, وعلى قدرِ طاعةِ المؤمنُ لربه يمنحهُ اللهُ مزيداً من ذلك الشعور العارم, بعظَمِ منزلةَ عرضه, وعلى قدرِ ما يقعُ المرءُ في المعاصي, تتحلُ الغيرةُ من فؤاده, وتتلاشى الحميةُ في صدره, وتتساقطُ معاني الرجولة, وقد أشارَ ابن القيم- عليه رحمة الله- في كلامٍ طويلٍ إلى أنَّ الغيرةَ تضعُفُ عند الرجل بقدرِ تلبسه بالمعاصي, فإذا هانت حُرماتُ الله على الرجل, وركب إلى المعاصي كل مطية, هانَ تمكينُ عرضه, ورضي في أهله السُوء, فذاك الديوث, الذي يطيرُ في الأنام بحثاً عن الحرام وبعداً عن مجالس أهله, ويتقلبُ في مضاجع الرذيلة, تراهُ أقلَّ الرجالِ غيرةً على نسائه, بل تراهُ أحياناً يحملهنَّ على التبرج والسفور, ويزجُّ بهنَّ في الأسواق, وتراه يُعرض ابنتهُ ذاتَ العشرِ سنين, متذرعاً بأنها صغيرة, وقد لاحت عليها معالمُ الأنوثةِ والنضج, وعائشةَ تقول ( إذا بلغت الجاريةُ تسعَ سنين فهي امرأة ) ومع ذلك فهو يلبسُها البنطال, ويترُكُها تعرضُ جسدها في كاملِ زينته, في الأسواق أمامَ الأعينِ الجائعة, والنفوسِ المريضة, وتراهُ يرى زوجته تُقلبُ صفحات المجلات الهابطة, وتتسلى من وجوهِ الفسقةِ وأجسادهم, ولا يشعرُ ثم لا يُحركُ فيه ذلكَ ساكناً, فقَدَ كلَ معاني الرجولةِ, وماتت في نفسهِ أحاسيسُ المروءةِ والشرفِ, فنشكو ما حل بأُمتنا إلى الله عز وجل.

إنَّ برامجَ السياحةِ, ومنتجعاتِ الترفيه, في أغلبها منتجعاتٍ غربية, لم يراعِ في تصميمها آدابُ الإسلام, ولا مكارمُ الأخلاق, ولذلك يكثرُ التهتكُ في المنتجعات ويفيضُ فيها, مما يُستوجبُ على المؤمن الغيور, والحرُ الضعيف, أن يصونَ نَفسَهَ من تحت يده, عن الأماكن التي يكونُ فيها عرضُهُ على خطرٍ, أو دينُه على جرف

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى

الحمد لله الكبير المتعال ، له الحمد كله وإليه يرجع الأمر كله وهو شديد المحال ، أحمده سبحانه وأشكره حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء أرضه وسماواته وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يَسّر لعباده عمل الصالحات ووفقهم لفعل الخيرات ، وأعانهم على أعمال البر وسبل كسب الحسنات ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا ًعبد الله ورسوله ختم الله به النبوة والرسالة وأعطاه الحوض والكوثر والشفاعة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه من تبعهم بإحسان وسلم تسليماً .. أما بعد .

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله ربكم ، واشكروه بقلوبكم وجوارحكم وألسنتكم على ما مَنَّ به عليكم من إدراك شهر رمضان وصيامه وقيام ما تيسّر منه ، ثم وفقكم ومدَّ في أعماركم فأدركتم عيد الفطر وشهدتم الخير ودعوة المسلمين فواصلوا شكر المنعم الوهاب ، واسألوه قبول العمل ، والعفوَ عن التقصير والزلل .

أيها المسلمون: لقد كنتم في شهر رمضان تتقربون إلى الله بفعل الخيرات والأعمال الصالحات ، تصومون نهاره وتقومون من ليله ، وها أنتم الآن ترون شهركم قد مضى بأيامه المباركة ، ولياليه الشريفة شاهداً للعاملين المخلصين ، وشاهداً على العصاة المفّرطين فلئن مضى شهُر رمضان الذي صوم نهاره أحدُ أركان الإسلام فإنه ـ بحمد الله ـ قد بقي للمسلمين طول العام ويتقربون به إلى الله من صيام التطوع كصيام أيامِ البيض والاثنينِ والخميس وصيامِ ستة أيام من شوال فلقد أخبر ـ r ـ بأن (( من صام رمضان ثم أتبعه بستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر ) ).

ولئن مضت صلاة التراويح فلقد بقي للمسلم خيرٌ كثير فليحافظ على الوتر وأقلُّه ركعه وأكثره احدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة .

وليحافظ على صلاة الضحى والسنن الرواتب وهي أربع ركعاتٍ قبل الظهر وركعتان بعدها ـ وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل صلاة الفجر .

ولئن كان المرءُ يكثرُ في رمضان من الصدقةِ والإحسان وتلاوة القرآن فإن هذه الأعمالَ مشروعةٌ طول العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت