ومن أسباب الثبات على الدين والصلاح كثرة ذكر الله تعالى كيف لا وقد قال: ?أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ? (23) . وقال r: (( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) ) (24) . وقد أمر الله تعالى عباده بالإكثار من ذكره فقال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيرا ` وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ` هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً? (25) فذكر الله كثيراً وتسبيحه كثيراً سبب لصلاته سبحانه وصلاة ملائكته التي يخرج بها العبد من الظلمات إلى النور فياحسرة الغافلين عن ربهم ماذا حرموا من خيره وفضله وإحسانه.
ومن أسباب الثبات على الحق والهدى ترك الظلم فالظلم عاقبته وخيمة وقد جعل الله التثبيت نصيب المؤمنين والإضلال حظ الظالمين فقال جل ذكره: ?يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ? (26) . فاتقوا الظلم أيها المؤمنون اتقوا ظلم أنفسكم بالمعاصي والذنوب واتقوا ظلم أهليكم بالتفريط في حقوقهم والتضييع لهم واتقوا ظلم من استرعاكم الله إياهم من العمال ونحوهم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
هذه بعض أسباب الثبات على الحق والهدى والدين والتقى من أخذ بها فقد أخذ بحظ وافر ووقاه الله سوء العاقبة والمآل. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك.
(1) آل عمران: 102.
(2) أخرجه مسلم في القدر برقم 2654.
(3) أخرجه أحمد من حديث المقداد بن أسود برقم 23304.
(4) أخرجه البخاري في القدر من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه برقم 6594 وأخرجه مسلم في القدر برقم 2643.
(5) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم من حديث أبي موسى الأشعري برقم 4259 ورواه الترمذي في الفتن من حديث أنس بن مالك برقم 2197 وسنده جيد ( جامع الأصول 105/9) .
(6) الإسراء: 74.
(7) الأنفال: 12.
(8) أخرجه ابن ماجه في الكفارات من حديث عبدالله بن عمر برقم 2092.
(9) إبراهيم: 27.
(10) النساء: 66.
(11) أخرجه البخاري في الأشربة برقم 5150.
(12) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة برقم 3627 وسنده جيد (السلسلة 389) .
(13) النحل: 102.
(14) الأعراف: 99.
(15) القلم: 39 -40.
(16) إابراهيم: 27.
(17) آل عمران: 8.
(18) البقرة: 250.
(19) أخرجه الترمذي في الدعوات 3444.
(20) محمد: 7.
(21) الكهف: 28.
(22) أخرجه البخاري في الزكاة برقم 1376.
(23) الرعد: 28.
(24) أخرجه البخاري في الدعوات برقم 5928.
(25) الأحزاب: 41-43.
(26) إبراهيم: 27.
الخطبة الأولى
أما بعد..
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله تعالى حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعلموا أيها المؤمنون أن من لوازم التقوى سلامة الصدر من الغل والحقد والحسد والضغائن والرذائل قال تعالى: ?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ? (1) ولا يكون صلاح ذات البين إلا بسلامة الصدر من تلك الآفات. لذا فإن دين الإسلام قد حرص حرصاً شديداً على أن تكون الأمة أمةً واحدة في قلبها وقالبها. تسودها عواطف الحب المشترك والود الشائع والتعاون على البر والتقوى، والتناصح البناء الذي يثمر إصلاح الأخطاء مع صفاء القلوب وتآلفها دون فرقة وغل وحسد ووقيعة وكيد وبغي. وقد جاءت الآيات القرآنية والآثار النبوية منسجمة متناسقة متضافرة لتحقيق ذلك المقصد الشرعي الكبير. فمن تلك الآيات قول الله تعالى في الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ? (2) فالأخوة الإيمانية تعلو على كل خلاف مهما اشتدت وطأته واضطرمت شدته وبلغ حد الاشتباك المسلح.
أما الأحاديث فمنها قوله r: (( لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً ) ) (3) رواه الشيخان. ومنها قوله r: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه ) ) (4) رواه الشيخان.
ولقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في سلامة القلوب وطهارة الصدور، فكان لهم من هذه الصفة أوفر الحظ والنصيب، فلقد كانوا رضي الله عنهم صفاً واحداً يعطف بعضهم على بعض ويرحم بعضهم بعضاً ويحب بعضهم بعضاً كما وصفهم جل وعلا بذلك حيث قال: ?وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ? (5) وكما قال جل ذكره في وصفهم: ?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً? (6) ولقد كان لسلامة الصدر عندهم منزلة كبرى حتى إنهم جعلوها سبب التفاضل بينهم قال إياس بن معاوية بن قرة عن أصحاب النبي r: (( كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدراً وأقلهم غيبة ) )وقد قال سفيان بن دينار لأبي بشر أحد السلف الصالحين: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً. قال سفيان: ولم ذاك؟ قال أبو بشر: لسلامة صدورهم.
أيها المؤمنون إن المرء لا ينقضي عجبه من ذلك الجيل الصالح الكريم حيث إن قلوبهم بقيت صافية وسليمة، طيبة السريرة، رغم ما وقع بينهم من فتن كبار أشهرت فيها السيوف واشتبكت فيها الصفوف فلا إله إلا الله ما أطيب المعشر وأكرمه. ومن تلك المواقف ما حفظه التاريخ عن الشعبي رحمه الله قال: رأى علي بن أبي طالب t طلحة بن عبيد الله t في واد ملقى - بعد وقعة الجمل التي كانت بين علي t وبين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم- فنزل t فمسح التراب عن وجه طلحة وقال: عزيز علي يا أبا محمد أن أراك مجندلاً في الأودية تحت نجوم السماء إلى الله أشكو عجري وبجري )) .
أيها المؤمنون إن سلامة الصدر خصلة من خصال البر عظيمة غابت رسومها واندثرت معالمها وخبت أعلامها حتى غدت عزيزة المنال عسيرة الحصول، مع مافيها من الفضائل والخيرات. وها أنا ذا أذكر بعض فضائلها عسى أن تكون حافزة لنا على الأخذ بها والحرص عليها، فإنه قبل الرماءتملأ الكنائن.
فمن فضائل سلامة الصدر أنها صفة أهل الجنة الذين هم خير أهل ومعشر قال تعالى: ?يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ? (7) .
ومن فضائل سلامة الصدر أن صاحبها خير الناس وأفضلهم فإن النبي t قد سئل أي الناس أفضل؟ فقال: (( كل مخموم القلب صدوق اللسان ) )قالوا: فما مخموم القلب؟ قال r: (( هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ) ) (8) رواه ابن ماجه بسند لا بأس به فبدأ r بالتقوى التي تثمر صفاء القلوب وسلامتها من الآفات والرذائل.