فهرس الكتاب

الصفحة 9159 من 9994

نعم، خاف ورجع إلى الله تائباً منيباً حتى يرضى الرب، ويكشف الكرب، ويغفر الذنب فتراه يصلي ويدعو ويزكي، ويسبّح ويهلّل ويستغفر، ويتصدق ويعتق.

وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يخوّف بهما عباده ) ) [أخرجه البخاري] . وقال تعالى: وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً.

وعن أبي بكرة أيضاً قال: كنّا عند النبي فانكسفت الشمس فقام النبي يجر رداءه [وفي رواية مستعجلا] حتى دخل المسجد، فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال: (( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا حتى يكشف ما بكم ) ) [أخرجه البخاري] . وفي حديث آخر: (( فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة ) ).

وعن أبي موسى الأشعري قال: خسفت الشمس فقام النبي فزعاً، يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قطّ يفعله، وقال: هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعاءه واستغفاره.

وفي حديث آخر قال في خطبة الكسوف: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا وصلّوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) ).

وعن أسماء رضي الله عنها قالت: لقد أمر النبي بالعتاقة في كسوف الشمس، وإن تعذّرت العتاقة لانعدام الرقاب والعبيد، فإنه يقوم مقامها كلمة الإخلاص، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنه، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك ) ) [أخرجه البخاري] .

عباد الله: كل ما ذكر من أنواع الطاعة يرجى من الله تعالى أن يدفع به ما يُخشى من أثر ذلك الكسوف.

لقد أمر النبي في خطبة الكسوف باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة، وزجر عن المعاصي التي هي أسباب جلب البلاء، وخصّ منها الزنا، لأنه من أعظمها في ذلك، فإن من آثار غيرة الله تعالى السخط والانتقام من أهل الفساد والإجرام، قال: (( ولم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأوباء التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ) ).

فاتقوا الله يا عباد الله، وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً، وأكثروا من الدعاء بإخلاص وإيقان، وتصدقوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الأولى:

أما بعد...

أيها المؤمنون إن مما وقع فيه كثير من الناس التهاون بأمر الطلاق ؛ جهل بأحكامه ، تلاعب به ، غفلة عن عواقبه ، إيقاع له في غير محله ، استخفاف وتهور وطيش فإنا لله وإنا إليه راجعون.

أيها المؤمنون اتقوا الله في أمر الطلاق فإن الطلاق شريعة محكمة وليس أهواء متحكمة ولا انفعالات طائشة ولا كلمات فارغة.

أيها المؤمنون إن التلاعب بالطلاق والتهاون بأمره تلاعب بكتاب الله يوجب سخطه وعقوبته ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن رجلاً طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً فقام صلى الله عليه وسلم وهو غضبان ثم قال: (( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) ) (1) فقام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي. فاتقوا الله أيها الأزواج واعرفوا لهذا الأمر حقه فإن الله جل وعلا قد فرض فيه فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها.

أيها المؤمنون إن من المؤسف المحزن أن كثيراً من سفهاء الأحلام تهاون في أمر الطلاق فترى الواحد من هؤلاء يجري الطلاقُ على لسانه عند أدنى استفزاز ولأوهى سبب لا يراعي في ذلك لله أمراً ولا نهياً ولا يقيم فيه لشرع الله وزناً.ومن هؤلاء الرجال من يطلق الطلقات الكثيرة في مناسبات عديدة دون أن يلتزم بمقتضى هذه الكلمات فتجده يعاشر المرأة ويبقيها معه مع أنه طلقها مراراً وتكراراً وهي لا تحل له ! زنا وسفاح فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومن صور التهاون في أمر الطلاق ما يفعله بعض الجهلة وضعفاء العقول من الحلف بالطلاق ؛ فما أكثر ما تسمع من أحدهم قوله: علي الطلاق عند تأكيده لأمر ؛ أو نفيه له ؛ أو حث عليه ؛ أو منع منه وبعضهم يقول: علي الطلاق بالثلاث ولا شك أيها المؤمنون أن من جعل الطلاق يمينه على طرف لسانه يردده عند كل تأكيد أو نفي أو حث أو منع أنه مستهين بهذا العقد متلاعب به وأنه على خطر كبير.

أيها المؤمنون إن من صور الاستهانة بالطلاق تهديد المرأة به عند كل عارض فتجد الواحد من هؤلاء المستهترين يهدد زوجته بالطلاق بكرة وعشياً ولا شك أن هذا ليس من العشرة بالمعروف وأنه ضرب من التهاون والتلاعب فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

فيا أيها الأزواج اتقوا ربكم واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوانٍ عندكم وعظموا حرمات الله وشعائره لعلكم تفلحون.

الخطبة الثانية:

أما بعد. .

أيها المؤمنون إن الله تعالى قد شرع الطلاق لحكمة بليغة فإن هذه الكلمة بقدر ما تكون مؤلمة موجعة قاسية إذا كانت في غير محلها، تكون عذبة مفرحة مفرجة إذا كانت في محلها على الوجه الذي شرعه الله تعالى.

أيها المؤمنون إذا أراد أحدكم الطلاق في الحال التي يجوز فيها الطلاق، فليطلق مرة واحدة لا أكثر فإن ما زاد على الطلقة الواحدة طلاق بدعي محرم وإن من العجب أن بعض ضعفاء العقول يطلق ثلاث تطليقات جميعاً ثم يتندم بعد ذلك فيشرق ويغرب بحثاً عمن يفتيه بعدم الوقوع: سفه وحمق وجهل وطيش.

أيها المؤمنون إن على من أراد الطلاق أن يطلق زوجته في طهر لم يجامعها فيه فلا يحل له أن يطلقها وهي حائض ؛ ولا في طهر جامعها فيه إلا إن كان قد تبين حملها فإن الطلاق في الحمل جائز واقع لا حرج فيه.

أيها المؤمنون إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً له فيه رجعة فإن الواجب عليه ألا يخرج المرأة من البيت حتى تنتهي عدتها فهي زوجته ما دامت في عدة الطلاق الرجعي، فاتقوا الله عباد الله في أمر الطلاق وتأنوا فيه فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً.

(1) أخرجه:النسائي (3348) من طريق سليمان بن داود عن محمد بن عبدالله بن وهب قال أخبرني مخرمة عن أبيه قال سمعت محمود بن لبيد وسنده صحيح .

عبد الحميد بن جعفر داغستاني

مكة المكرمة

ابن حسن

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

-ظلم المرأة في أنظمة الجاهلية الأولى. 2- لم كان الطلاق من حقوق الزوج لا الزوجة. 3- علل تمنع دوام الحياة الزوجية. 4- تلاعب بعض الرجال بألفاظ الطلاق في المجالس والمهاترات. 5- الطلاق التعسفي.

الخطبة الأولى

أما بعد:

فإن الله تعالى يقول: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [البقرة:229] .

فالإسلام شرع لنا الطلاق وراعى فيه ضرورات الحياة وواقع الناس في كل زمان ومكان، كما أنصف المرأة من فوضى الطلاق التي كانت سائدة في عرب الجاهلية حيث لا عدد للطلقات ولا عدة للمطلقة ولا حقوق ولا التزامات لهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت