أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصلاةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:30-32] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله خلق النفوسَ فألهمها فجورَها وتقواها, أرشدها إلى هداها وحذَّرها من رداها، أحمده سبحانه وأشكره شكرَ من عرف نعمَه فرعاها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رضيتُ به ربًا وإلهًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله أرفع الخلق قدرًا وأعظمهم جاهاً، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله.
لقد أكمل الله هذا الدين ورضيه، وأتمَّ به على المسلمين نعمته، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً [المائدة:3] ، فكانت هذه الأمة بالإسلام خيرَ الأمم، ومن المعلوم قطعًا وجزمًا أن هذه الخيرية نابعةٌ من كمال دينها وصفاءِ عقيدتها ووفاء شريعتها، لا تكون العزةُ إلا به، ولا يتحقَّق السموُّ إلا به، بل لا تكون النجاة في الدارين إلا بطريقه، والبشر محتاجون إليه حاجتهم إلى الغذاء والهواء.
ومن كمال الدين واكتمال الصورة التفريقُ البيِّن في ديننا بين منعِ المشابهة في العقائد والأحكام والأخلاق، وبين مشروعيةِ الإفادة مما عند الآخرين من علوم ومعارفَ وصناعاتٍ وأساليبَ تجارةٍ ووسائل تقانة، فهذا باب غير تشبه؛ لأن العلوم والصناعات ترجع بإذن الله وتوفيقه إلى الجهود البشرية البحتة من المعلومات والمعقولات والتجارب، كما أن باب البر والصلة والإحسان والعدل شيء غير الموالاة والمودة، لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] ، ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] .
إن الإسلام لم يُحفظ كيانُه ولم يحتفظ بقوته إلا بالاستقلال في شريعته، وانفراده بأخلاقه ومبادئه، وبُعده عن التشبه القائد إلى الذوبان والمروق والانحلال.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واعرفوا فضلَ الله ومنَّته، وعظِّموا أمرَ دينكم، واقدروه قدرَه، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.
ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله، فقد أُمرتم بذلك في كتاب الله، فقال ربكم جل في علاه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56] .
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي...
(1) أخرجه أحمد (2/50) بتمامه، وعلق البخاري بعضه بصيغة التمريض في الجهاد، باب: ما قيل في الرماح، وأخرج أبو داود في اللباس، باب: في لبس الشهرة (4031) منه قوله: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) )، قال ابن تيمية كما في المجموع (25/331) :"هذا حديث جيد"، وقال العراقي في تخريج الإحياء (1/342) :"سنده صحيح"، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (10/271) ، وصححه الألباني في حجاب المرأة المسلمة (ص104) .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم (ص83) .
(3) أخرجه الترمذي في الاستئذان (2695) ، والطبراني في الأوسط (7380) ، والقضاعي في مسند الشهاب (1191) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال الترمذي:"هذا حديث إسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه"، وحسنه الألباني في صحيح السنن (2168) .
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
عباد الله اتقوا الله و أطيعوه، واعلموا أن الله تعالى قد خلقكم إنسكم وجنكم لعبادته قال تعالى: ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? (1) فعبادة الله تعالى وإفرادها لله وحده لا شريك له هي الغاية القصوى والمطلب الأسمى والمقصود الأعلى من الخلق كما دلت عليه الآية، فإن الله تعالى ذكر ذلك بالنفي والاستثناء اللذين هما أقوى صور الحصر والقصر، فنفى أي غاية لوجود الإنس والجن غيرَ عبادته سبحانه، وهو تعالى ذكْره، وتقدست أسماؤه، لما خلقنا لذلك لم يتركنا هملاً بلا بيان ولا توضيح للعبادة التي خلقنا لها وأمرنا بها بل بين لنا معنى العبودية لله سبحانه ووضح سبيل ذلك، فبعث الرسل مبشرين ومنذرين وإلى عبادته وحده داعين قال تعالى: ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ? (2) فكل رسول جاء إلى قومه كان أولُ ما يقول لهم:"يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيرُه"وهذه الدعوة التي جاءت الرسل بها أمرٌ فطر الله تعالى الخلق عليه ومع ذلك انقسم الخلق حيال دعوة الرسل إلى قسمين كما قال تعالى: ?هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ? (3) .
فمن الناس من وفقه الله إلى الإيمان فهو على الفطرة في عبوديته للواحد الديان، ومن الناس من ابتلي بالحرمان فاجتاله الشيطان فوقع في عبودية الأصنام والأوثان.
أيها المؤمنون إن العبودية لله تعالى التي هي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون وسرور النفوس مبنية على ركنين عظيمين لا تصح إلا بهما: الأول محبة الله تعالى والثاني الذل له سبحانه.
قال ابن القيم رحمه الله:
وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان
فكلما امتلأ قلب العبد لله تعالى حباً وله سبحانه ذلاً وتعظيماً ولأوامره وشرعه انقياداً وعملاً كملت فيه العبودية لله تعالى، وهذه العبودية التي دعت إليها الرسل أمر عام واسع رحب يضرب برواقه على جميع مناحي الحياة وشؤونها، ويتبين هذا واضحاً جلياً من خلال إجالة النظر في آيات الكتاب الحكيم، ومن خلال مطالعة دواوين السنة، فإن الله تعالى خاطب عباده المؤمنين بالأمر والنهي في أمورٍ كثيرة تتعلق بمعاشهم وحياتهم.