وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج ، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا ، فلما توجه إلى أحد أراد أن يتوجه معه فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد ، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن بَنيَّ هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك ، ووالله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد ، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة فخرج مع رسول الله صل الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيداً (144) .
قال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه فقال أهاجر معك ، فأوصى به بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فقسمه ، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهورهم ، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا ؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا رسول الله ؟ قال قسم قسمته لك ، قال: ما على هذا اتبعتك ، ولكن اتبعتك على أن أُرْمَى ها هنا- وأشار إلى حلقه- بسهم ، فأموت فأدخل الجنة ، فقال: إن تصدق الله ليصدقك ، ثم نهضوا إلى قتال العدو فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال: أهو هو ؟ قالوا: نعم ، قال: صدق الله فصدقه (145) .
من الأنانية إلى العبودية:
وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من لأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع ، لا يخضعون لسلطان ولا يقرون بنظام ولا ينخرطون في سلك ، يسيرون على الأهواء ويركبون العمياء ويخبطون خبط عشواء ، فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها ، واعترفوا لله بالملك والسلطان والأمر والنهي ، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة ، وأعطوا من أنفسهم المقادة واستسلموا للحكم الإلهي استسلاماً كاملاً ووضعوا أوزارهم ، وتنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم ، وأصبحوا عبيداً لا يملكون مالاً ولا نفساً ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به ، لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله ولا يرضون ولا يسخطون ولا يعطون ولا يمنعون ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره . ولما كان القوم يحسنون اللغة التي نزل بها القرآن وتكلم بها الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفوا الجاهلية ونشأوا عليها ، وعرفوا معنى الإسلام معرفة صحيحة ، وعرفوا أنه خروج من حياة إلى حياة ، ومن مملكة إلى مملكة ، ومن حكم إلى حكم ، أو من فوضوية إلى سلطة ، أو من حرب إلى استسلام وخضوع ، ومن الأنانية إلى العبودية ، وإذا دخلوا في الإسلام فلا افتيات في الرأي ولا نزاع مع القانون الإلهي ولا خيرة بعد الأمر ولا مشاقة للرسول ولا تحاكم إلى غير الله ولا إصدار عن الرأي ، ولا تمسك بتقاليد وعادات ولا ائتمار بالنفس ، فكانوا إذا أسلموا انتقلوا من الحياة الجاهلية بخصائصها وعاداتها وتقاليدها إلى الإسلام بخصائصه وعاداته وأوضاعه ، وكان هذا الانقلاب العظيم يحدث على أثر قبول الإسلام من غير تأن .
همَّ فضالة بن عمير بن الملوح أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهو يطوف بالبيت . فلما دنا منه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أ فضالة ؟ قال: نعم ، فضالة يا رسول الله ! قال: ماذا كنت تحدث به نفسك ؟ قال: لا شيء ، كنت أذكر الله ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: استغفر الله ، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه ، وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده على صدري حتى ما خلق الله شيئاً أحب إليَّ منه ، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها ، فقالت: هلمّ إلي الحديث ، فقلت: يأبى الله عليك والإسلام (146) .
أولاً: مقدمة
• لا أحد يجادل في كون الداعية بشرًا، يجري عليه ما يجري على كل البشر، من طاعة ومعصية، وذِكر وغفلة، وعزم وتخاذل.
• قال عز وجل عن أبينا آدم عليه السلام - وهو النبي الأول، الذي خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) . [طه: 115] .
• قال صلى الله عليه وسلم:"كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". [رواه أحمد والترمذي بسند حسن] .
• عن حنظلة الأسيدي رضي الله عنه - وكان أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال:"لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟! قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟! قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة في فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات". [رواه مسلم] .
ثانياً: إمكانية حدوث الخطأ من الداعية
• داعية اليوم - لن يكون - أفضل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين وقعت منهم الذنوب والمعاصي، صغيرها وكبيرها، ثم تابوا عنها.
• إن حدوث الذنب من الداعية هو من طبيعة البشر، ولكن المصيبة هي الإصرار على الذنب، وعدم التوبة منه.
• قال تعالى في معرض وصفه للمتقين: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) . [آل عمران: 135] .
• وقد قال صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم". [رواه مسلم] .
ثالثاً: أصناف المخطئين
حينما نتعرض للحديث عن أخطاء الدعاة، يجب أن نفرق بين صنفين:
الصنف الأول:
الذين يُقبلون على الذنب ويقارفونه عن عمد وإصرار.
• يظهرون أمام الناس بصورة الأتقياء الورعين العابدين.
• إذا خلوا بأنفسهم، أتوا المعاصي والمنكرات.
• هذا هو الصنف الذي يقصده النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"لأعلمنَّ أقواما من أمتي، يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثوراً، أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها". [رواه ابن ماجة، وإسناده صحيح] .
• في هؤلاء يصدق قول الله عز وجل: (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) . [البقر: 9] .
الصنف الثاني:
الذين لا يتعمدون المعصية ولا يُبيِّتون النية لإتيانها.
• تقع المعصية منهم عَرَضًا نتيجة لحظة ضعف بشرية.