الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
قصص عن الإسلام في أفريقيا نستشعر بها عظمة نعمة الله - عز وجل - علينا ويتضح من خلالها مدى تفريطنا وتقصيرنا في القيامِ بواجبنا تجاه دينيا .
هذه القارة السوداء - كما تسمى - رصَدَت المسيحية النصرانية لها الآلاف من الملاين لتنصيرها ، وجعلت لذلك إمكانيات هائلة ضخمة ، يكفي أن نّعلم أن الإنجيل مترجم إلى ستمائة لغة ولهجة من لغات دارجة لا يعرفها إلا أصحابها من أهل القبائل والقرى البعيدة النائية ، وقد رأيت بعيني نسخاً من هذا الإنجيل مطبوعةً بالحروف اللاتينية عن اللغات واللهجات المحلية .
وإذا أضفنا إلى ذلك الجهود الإعلامية الضخمة في عموم التنصيري لوجدنا إن هناك أكثر من أربعة آلاف وستمائة قناة تلفزيونية وإذاعية ، خاصة بنشر المسيحية والتنصير ، وإذا أضفنا إلى ذلك فانا واجدونا آلافاً من الدعاة الذين يشرّقون ويغرّبون ، وتكاثفت وتعاظمت جهودهم في هذه القارة الإفريقية السوداء .
وإذا مضينا سنرى مصداق قول الله جل وعلا: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .
وسنرى تصديق قوله جل وعلا: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق } .. سنرى نور الإسلام يبدد الظلمات مع تقصير المسلمين وتفريطهم ، ومع ندرت وقلة دعاتهم ، ومع تبدد وضعف جهودهم .
ولعلي هنا أشرع في ذكر بعض قصصاً عرفتها أو لامستها من خلال زيارات ميدانية:
جوزيف نصرانيٌ مسيحيٌ نشأ في ظلال الكنيسة ، التي تعطي للناس طعاماً لبطون جائعة فارغة ، وتقدّم لهم كساءً لأجسادٍ ناحلة عارية وتعطيهم دواءً لأجسادً سقيمة بالية وتقدم لهم خدمات تجعلهم لا يملكون إلا إن تخفق قلوبهم بالشكر الحمد لمن يُقدّم لهم ذلك ، ثم بالموافقة والمتابعة له ، وقد تقدّم هذا الرجل في النصرانية ، وبلغ شأناً عظيماً حتى بعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية ؛ ليحصل على الدرجة الماجستير في علوم اللاهوت والكنيسة ، وفي أثناء دراسته تلك ، وبحكم التخصص كان يمر على موضوعات فيها مقارنة بين الأديان ، ويقرأ من الكتب مالا يجد فيه سطراً أو كلمة تذكر الإسلام بخيرٍ مطلقاً .
وغريزة البحثِ ومعرفة بعض أسباب التناقض في تلك الديانات المحرفة قادته إلى أن يبحث أكثر عن الإسلام بنفسه بتوفيق من الله جل وعلا لم يكن من تقدم له بدعوة ولا من أهداه كتاباً ولا من ناظره في مسألة ، وإذا بنور الحق يبدد ظلمات الظلم ، وإذا به يدخل الإسلام ويعلن إسلامه ويشهره لتُسلب منه سيارته ، ويقطع راتبهُ ، وتلغى امتيازاته ، ويصبح اليوم لا يملك مالاً يدرّس به أبناءه ، وله اثنين منهم في بيته لا يخرجون للدراسة والتعلم ..
أي شي صنع هذا الرجل رغم كل هذه الظروف ؟ قد نذر نفسه أن يدعوا في داخل الصفوف المسيحية الكنسية من أبناء جلدته وبلدته ، وإذا به يدخل في الإسلام المدير العام للمناهج في الكنيسة المسؤول الأول عن التعليم المنهجي للكنائس المختلفة .. يدخل في الإسلام بدعوة قسيس سابقٍ حائزٍ على درجات علمية عالية في تخصصات اللاهوت الكنسي ويمضي وراء ذلك ، وإذا به يكتسب من هؤلاء واحداً إثر واحد وهو - كما قلت - إلى يوم الناس هذا لا يملك ما يدرس به أبناءه بعد إن كانت عنده من الإمتيازات الحضوة ما عنده احسب أنني في غنى عن التعليق ، وسأزيدكم من ذلك الكثير والكثير .
وهذا جون مري بوبو أيضا قسيس نصرانيٌ أفريقياٌ وصل إلى مرتبة رئيس الأساقفة في بلد إفريقي ، ومرة أخرى يقول من خلال المقارنة وبعض الأبحاث العلمية ورؤيته للمظاهر فحسب التي يؤديها المسلمون في صلاتهم وبعض عبادتهم ومناسبتهم ، قال:"وجدت أن عقلي يدعوني ، وقلبي يوافقني ، ونفسي تطاوعني أن هذا الإسلام هو الحق"، فأسلم وأشهر إسلامه ، ومنذ إسلامه إلى يوم الناس هذا أسلم على يديه نحو خمسة آلاف إنسان من أولئك الذين اجتالتهم عن الحنيفية السمحة وأصل الفطرة تلك الجهود التنصرية التبشيرية العظيمة .
ما الذي جرى له بعد إن كان رئيساً للأساقفة ؟ حِيكت حوله المؤامرات من قِبَل الكنيسة المتنفذة ، في أثناء سفره خارج بلاده حُرِقَ منزله ، وقتل ومات في هذا الحريق توأمان من أبناءه ، ثم بعد فترة أعُيد إحراق منزلهُ وتعرض للقتل ثلاث مرات ، وهو ويقول في آخر هذه المعاناة:"أنا اشعر براحه وإطمئنان لأنني استشعر الآن أن الله معي".
ألا يدلنا ذلك على الحقيقة العظيمة في قوة هذا الدين وإنه الحق والفطرة العقل والرشد الهداية إلا يكشف لنا ذلك كم من أمثال هؤلاء من لم تتيسر له الأسباب وقصرت جهود المسلمين وعجزت عن أن تقول لهم كلمات ، أو أن تقدم لهم صفحات ، أو أن تسمعهم بعض الآيات ليكون هذا القدر اليسير كافياً في بيان الحق لهم ، وإنارة الطريق أمامهم .