فهرس الكتاب

الصفحة 9666 من 9994

الوقفة الثانية: أن هذه الشعيرة لما كانت تحول بين الناس وشهواتهم ورغباتهم التي يزينها لهم شياطين الإنس والجن فإنها تلقى من كثير من الناس تنقصاً وهمزاً ولمزاً ونقداً مجحفاً أو باطلاً ينصب غالباً على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وعلى هيئاته الخاصة به وهؤلاء الناقدون والمتكلمون في الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أحد صنفين: صنف مردت قلوبهم على الذنوب والمعاصي وعششت الشهوات في قلوبهم وأشربت حب الفساد فهم سماسرة الفساد وأربابه لا يعيشون إلا به فهؤلاء لا غرابة في حقدهم وحنقهم ووقيعتهم في الآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر فإنهم شجى حلوقهم ونكد عيشهم فهم يتربصون بأهل الحسبة الدوائر يلتقطون السقطة ويضخمون الهفوة ويجعلون من الحبة قبة فهؤلاء لا حيلة لنا فيهم إلا أن نقول كما قال الله تعالى لأسلافهم: ?قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ? (14) . الصنف الثاني: قوم فيهم خير وصلاح وحب لأهل الإصلاح إلا أنهم يصغون لتشويه أهل الريب والفساد و ينصتون لوقيعة أهل المعصية والنفاق وما ينشرون عن أهل الحسبة من الإشاعات و المبالغات كما قال الله تعالى: ?وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ? (15) فضلاً عن أن يكون قد حصل لبعضهم موقف مع أهل الحسبة يجعله مبرراً لوقيعته وشاهداً لسماعه فهؤلاء ليس لنا معهم قضية إلا أننا نذكرهم بالله الذي رضوا به رباً وبرسوله نبياً وبإسلامه ديناً ونقول لهم: أيها المؤمنون إياكم أن تكونوا أعواناً لأهل الفساد والنفاق على إخوانكم فأهل الحسبة إخوانكم وإن بغي بعضهم عليكم فانصحوا لهم بالحسنى وبينوا أخطاءهم بالمعروف وإياكم والتشهير والتعميم والمبالغة ولا تنسوا في غمرة ذلك ضرورة الأمة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك من محاسن القوم فالله وبالله وتالله إنهم لمما يحفظ الله به العباد والبلاد فكم من شر قد ردوه وكم من عرض حفظوه وكم من شباب عن الضلال حجبوه وكم من مفسد مخرب قد فضحوه وكشفوه فالآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر حراس الدين وحماته عن الدين ينافحون ودونه يجاهدون ينفون فساد المفسدين، ويبطلون سعي المخربين فجزاهم الله خير ما جزى عباده المؤمنين وقد أجاد من قال:

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

أولئك هم خير وأهدى لأنهم عن الحق ما ضلوا وعن ضده صدوا

الوقفة الأخيرة هي من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر قال الله تعالى: ?يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ? (16) . فعلى كل آمر وناهٍ أن يصبر على ما يلقاه وأن يوطن نفسه على ذلك وليوقن بثواب الله تعالى فإنه من يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

(1) آل عمران: 110.

(2) الأعراف: 157.

(3) آل عمران: 104.

(4) أخرجه مسلم في الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه برقم 34.

(5) التوبة: 71.

(6) المائدة: 78 -79.

(7) آل عمران: 104.

(8) أخرجه مسلم في الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه برقم 34.

(9) البقرة: 251.

(10) هود: 116.

(11) هود: 117.

(12) رواه أحمد من حديث حذيفة رضي الله عنه برقم 22790 وأخرجه الترمذي في الفتن برقم 2196.

(13) آل عمران: 104.

(14) آل عمران: 119.

(15) التوبة: 47.

(16) لقمان: 17.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

أيها المؤمنون إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث قال الله تعالى في وصف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: ?يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِث? (1) . ألا وإن أم الخبائث الخمر كما قال النبي r: (( الخمر أم الخبائث ) ) (2) وقد أخبر النبي r بأنها مفتاح الشرور فعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله r (( لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر ) ) (3) .

وصدق الله ورسوله فإنه قد اجتمع فيها من الشرور والآثام والخبائث مالم يجتمع في غيرها كيف لا؟ والمرء إذا سكر خرج عن طوره وفقد عقله وضاع سمته وغرق في ألوان المعاصي والموبقات، فالخمر ياأيها المؤمنون تفسد الأديان وتهلك الأنفس وتعطل العقول وتهتك الأعراض وتتلف الأموال وهذا سر تسمية النبي r الخمر أم الخبائث وأم الفواحش ففي حديث ابن عباس قال: قال رسول الله r: (( الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر من شربها وقع على أمه وخالته وعمته ) ) (4) . نعوذ بالله من ذلك، فإياك يامن يرجو نجاته

وإياك شرباً للخمور فإنها تسود وجه العبد في اليوم والغد

وكل صفات الذم فيها تجمعت كذا سميت أم الفجور فأسند (5)

وقد جاء تحريم الخمر في الكتاب والسنة فقال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ $ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ? (6) . أما السنة فالأحاديث الدالة على تحريمها كثيرة عديدة فمن ذلك مارواه ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) ) (7) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله r: (( كل شراب أسكر فهو حرام ) ) (8) وقد أجمع المسلمون على تحريمها وهذا الحكم ثابت لكل ما أسكر سواء كان مشروباً أو مطعوماً أو مستنشقاً أو متعاطىً بغير ذلك فالمخدرات وما شابهها حكمها حكم الخمر أو أشد (9) .

أيها المؤمنون إن الله سبحانه وتعالى توعد من خالف أمره وتعدى حدوده فشرب الخمر بعقوبات دينية شرعية وعقوبات كونية قدرية.

فمن العقوبات الشرعية أن النبي r قد لعن في الخمر تسعة فعن ابن عمر قال: (( لعن رسول الله r الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ) ) (10) رواه أحمد بسند جيد.

ومن العقوبات الشرعية الكبرى أن شارب الخمر مهدد بنزع الإيمان ورفعه من قلبه ففي الصحيحين قال r: (( ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) ) (11) قال أبو هريرة رضي الله عنه: من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه نعوذ بالله من الخذلان.

أيها المؤمنون إن من العقوبات الشرعية لشارب الخمر أنه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً فعن عبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو وابن عباس رضي الله عنهم: (( من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً وإن مات دخل النار فإن تاب تاب الله عليه، من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً وإن مات دخل النار فإن تاب تاب الله عليه، من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً وإن مات دخل النار فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة ) )قالوا: يارسول الله وما ردغة الخبال؟ قال: (( عصارة أهل النار ) ) (12) . رواه الترمذي وغيره بسند لابأس به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت