الحلقة الثالثة
د.عبدالعظيم بدوي
يقول تعالى: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا {الجن: 1- 7} .
تفسير الآيات
كانت الجنِّ قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يسترقون السمع، يركبُ بعضهم بعضًا حتى يبلُغوا عنان السماء، فيسمعون الملائكة وهم يتحدثون بالأمر مما قضى اللَّه أن يكون في الأرض، فيُلقيها الأعلى إلى مَن هو دونه، وهكذا حتى تصل إلى أدناهم من الأرض، فيقرّها في أذن وليه من الكهنة والعرّافين، فيخبر الناس بها، فإذا كانت صدّقوه، فكذب عليهم مائة كذبة، مقابل كلمة الحق هذه التي أقرّها الشيطان في أذنه، وكانت الشهب يُرمى بها من يسترق السمع، ولكن كان ذلك يسيرًا. وكانت العربُ قديمًا إذا رأوا شهابًا سقط يقولون: وُلِدَ عظيمٌ، أو مات عظيم، فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد في حراسة السماء، فكان كلُّ من استرق السمع أتبعه شهابٌ ثاقب، وحيل بينهم وبين ما يشتهون {سبأ: 54} ، فقالوا: ما هذا إلا لأمرٍ حدث، فأمرهم كبيرهم إبليس أن يتفرقوا يمينًا وشمالاً فينظروا ما حدث، فأتت طائفةٌ منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلّي بأصحابه صلاةَ الفجر بنخلة جهة تهامة فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فلما قُضي قالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، وتأملوا القرآن وتدبروه فعلموا أنه ليس من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ وليس شعرًا ولا كهانةً، فآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام والإيمان، ولم يشعر بهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه قولُ اللَّه تعالى: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن الآيات. {متفق عليه} .
وهذه الآيات كقوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين {الأحقاف: 29- 32} .
وفي هذه الآيات إشارةٌ إلى عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الجنّ والإنس، وأنّ الغاية من خلق الجن هي الغاية من خلق الإنس، كما صرّح بذلك القرآن الكريم في قوله سبحانه: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون {الذاريات: 56} .
وقوله تعالى: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ولم أدْرِ بهم حتى أُوحي إليّ، فقالوا وقد رجعوا إلى قومهم منذرين: إنا سمعنا قرآنا عجبا عجبًا في تأليفه، وعجبًا في تركيبه، وعجبًا في فصاحته، وعجبًا في بلاغته، وعجبًا في تأثيره في القلوب، يهدي إلى الرشد أي يهدي إلى السداد والنجاح فآمنا به وهذه هي النتيجةُ الحتميةُ لكلّ من استمع للقرآن بقلبٍ سليم، كلّ من استمع للقرآن بقلبٍ سليم لا يملك بعد ذلك إلا الإيمان بأن هذا القرآن كلامُ اللَّه رب العالمين، وهذا الإيمانُ بالقرآن يُسلم إلى الإيمان بالرسول الذي بلّغه، وهو محمد عليه الصلاة والسلام. ولقد استمعتُ إلى مسلمٍ يحاضر ذات ليلةٍ في مسجد من مساجد القاهرة، وكان قسيسًا فأسلم، فكان يذكر سببَ إسلامه، فقال: كان أستاذًا في كلية اللاهوت، وكان يقرأ القرآن كثيرًا ليعرف كيف يطعنُ فيه. وذات ليلةٍ كان يقرأُ القرآنَ فأتى على سورة الجنّ: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به قال: فأخذتُ أردّدها: قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به حتى أصبحت قد شرح اللَّه صدري للإسلام وعلمتُ أنه الحق.
إنه القرآن، أليس قد شهد له الأعداء، والفضلُ ما شهدت به الأعداء، ألم يقلْ فيه الوليدُ بن المغيرة: والله ما منكم رجلٌ أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزِه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقولُ شيئًا من هذا، والله إنّ لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنّه ليحطّم ما تحته، وإنه ليعلو وما يُعْلَى. وصدق اللَّه العظيم حيث قال: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله {الحشر: 21} ، ولكنّ القلوب إذا قستْ كانت أشدّ من الحجارة في صلابتها، ولذا قال تعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة {البقرة: 74} .