فهرس الكتاب

الصفحة 9705 من 9994

أيّها المسلمون، إنّه لا اجتهادَ مع النص، ولا قولَ لأحدٍ مع قول الله عزّ وجلّ وقول رسوله ، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] ، بل إنَّ كراهةَ شرعِ الله وابتغاءَ ما سِواه محبِطٌ للعمَل كما في سورةِ محمّد: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9] . قال ابن رجَب:"المعاصي تقَع من تقديم الهوَى على محبّة الله ورسولِه، والبِدَع تقع من تقديم الهوَى على الشّرع ـ وهو أخطَر ـ؛ لِذا سمِّيَ أهلُ البدع أهلَ الأهواء" (8) [8] ، وإذا اعتادَت النّفسُ الرّضاع من الهوى فإنَّ فِطامها عسير.

عبادَ الله، لقد جَعل الله للعقولِ في إدراكها حدًّا تنتهي إليه، ولا يمكِن أن تحيطَ بكلّ شيء، فالإحاطة للباري وحدَه الذي يعلم الأشياءَ على التّمام والكمال والمآل، أما العِباد فإدراكهم قاصِر، ولا يتَّفقون في النّظريَات عادةً، لذلك تراهم يَرتضونَ اليومَ مَذهبًا ويرجعون عنه غدًا، ثم يصيرون بعد غدٍ إلى رأيٍ ثالث، ولو كانَ ما يقضِي به العقل كلُّه حقًّا لكفى في إصلاحِ مَعاش الخلقِ ومَعادهم ولم يكُن لبِعثةِ الرّسل عليهم السلام فائدة ولَكانت الرسالةُ على هذا الأصلِ تُعدّ عبثًا لا معنى له، وهذا كلُّه باطِل.

إنَّ الواجب على المسلم الحذَرُ من هذا المزلقِ الخطير، وهو ردُّ شيءٍ من شريعةِ الله أو كراهتها أو تقديمُ الهوَى والعقلِ على الوحي، ولقد اتَّفق أهل السنة على أنَّ من فعل عددًا منَ الكبائر دون الشّرك فإنّه لا يكفر، ومَن استحلَّها كفَر وإن لم يفعَلها إذا عُلِمت من الدّين بالضرورة.

ومَن أراد النّجاةَ في الدّنيا والآخرة فليَلزَم قولَ الحقِّ سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] .

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآياتِ والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين والمسلِمات من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو أهلُ التّقوى وأهل المغفِرة.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبا مباركًا فيه كما يحبّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله.

أمّا بعد: أيها المؤمنون، العقل محمودٌ في الإنسان، ولولاه لما اختُصَّ بالتكليف دون سائرِ الحيوان. وقَد خاطب الله العقلَ في آياتٍ كثيرة من كتابِه، وأمر بالتفكُّر والتعقّل؛ بل علَّل له كما في قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، إلاَّ أنَّ الخالقَ سبحانه كما خلَق العقلَ في الإنسان فقد فاوَتَ بين الناس، وركَّب في طبائعهم الهوَى والشّهوة، وجعل الوحيَ حاكِمًا على كلِّ ذلك ابتلاءً منه سبحانه، فمن أخضَعَ ذلك لله وحدَه فهو المسلِم المستسلِم له المنقادُ لطاعته والمستحِقّ لجنَّته، ومن تمرَّد بعقلِه وأعجِبَ برأيه فهو المتوعَّد بالعِقاب.

وقد ذكَر العلماءُ رحمهم الله أوصافًا لأهل الأهواء والمقدِّمي عقولَهم القاصِرة على الشريعة الكاملة، وهي أوصافٌ انطبقت ولا زالَت تنطبق منذ القرونِ الأولى، فمنها اتِّباع المتشابِه كما قال سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ [آل عمران:7] ، ومنها ذمُّ المتقدِّمين ممّن اشتهر علمُهم وصلاحهم واقتِداء الخلَف بهم خاصّة من الصّحابة، ويخصّ بالمَدحِ مَن يوافق هواه كالفَلاسِفَة وأهل الكلام، ومنها عَدَم تعظيم النصوصِ الشرعيّة والتهاون والتهوينُ في مخالفتها، بل يصِل الحالُ ببعضِهم إلى الاستخفافِ بها والتندُّرِ بمن تمسَّك بها وجعلِه تحت مجهَر النّقد والتثريب وإسقاطه عندَ العامّة، ومنها عدَمُ ظهورِ السنّة في عباداتهم وسلوكِهم وهيئاتهم، ومع هذا فإنَّ أحدَهم يجعل نفسَه مقارنًا لكبار علماء السنة، فهو كمن قال الله فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [الحج:8-10] .

اللّهمّ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلوبَنا على دينك، واهدِ اللّهمّ ضالّ المسلمين.

ثم اعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ من أفضل أيّامكم يومَ الجمعة، فأكثروا من الصلاةِ والسلام على خير البريّة وأزكى البشرية محمّد بن عبد اللهِ الهاشميّ القرشيّ، فإنَّ صلاتَكم معروضة، ومن صلّى عليه صلاة واحدةً صلّى الله عليه بها عشرًا.

اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولِك محمّد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين...

(1) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (15) ، والخطيب في تاريخه (4/369) ، والبغوي في شرح السنة (104) ، وصححه النووي في الأربعين، قال ابن رجب:"تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا"، ثم ذكر من أوجه ضعفه تفردَ نعيم بن حماد به وهو ضعيف والاختلافَ عليه فيه والانقطاعَ في سنده، وضعفه الألباني في ظلال الجنة (15) .

(2) الأربعون النووية: الحديث الحادي والأربعون.

(3) درء التعارض (1/133) .

(4) مجموع الفتاوى (28/132) .

(5) صحيح البخاري: كتاب الفتن (7084) ، صحيح مسلم: كتاب الإمارة (1847) .

(6) سنن أبي داود: كتاب السنة (4597) عن معاوية رضي الله عنه، وأخرجه أيضا أحمد (4/102) ، وابن أبي عاصم في السنة (1، 2) ، والطبراني في الكبير (19/376، 377) ، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (150) ، وصححه الحاكم (443) ، وهو في صحيح سنن أبي داود (3843) .

(7) الاعتصام (1/483) .

(8) جامع العلوم والحكم (ص389-390) بتصرف.

الخطبة الأولى

أما بعد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت