فهرس الكتاب

الصفحة 9700 من 9994

فحينما يتبع الإنسان هواه في كل صغير وكبير يذل ويهان في الدنيا والآخرة يقول تعالى: فَأَمَّا مَن طَغَى وَءاثَرَ الْحياةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى [النازعات:37-41] .

ويقول تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ الههُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] .

والذين يتبعون أهواءهم يضلون عن سبيل الله ويرثون العذاب المهين يقول تعالى: يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ [ص:26] .

إن عذاب الله يوم يقوم الأشهاد لا يدفعه الهوى ولا اللهو، وإنما يدفعه الإيمان والعمل، لقد قدم الحسن البصري على جنازة وكان معه أخ له فقال ترى لو عاد هذا الميت إلى الدنيا ماذا كان يصنع؟ قال: يزداد من الحسنات ويقلع عن السيئات. قال: إن لم يكن هو فكن أنت.

ويقول أحد الحكماء يعتب على من اتبع هواه وضيع عمره في اتباع شهواته:

ذهب العمر وفات……يا أسير الشهوات

ومضى وقتك في ……لهو وسهود وسبات

بينما أنت في غيك ……حتى قيل مات

إن العمر لحظات تعد وأنفاس ترد فكيف يضيعه الإنسان في اتباع الهوى، يقول سهل بن سعد: (جاء جبريل إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) فالمؤمن الفطن هو الذي لا يضيع عمره جرياً وراء شهوة أو هوى وإنما هو من يحرص على ما ينفعه في دنياه وآخرته.

أنت في دار شتات فتأهل لمماتك

واجعل الدنيا كيوم صمته عن شهواتك

وليكن فطرك عند الله في يوم وفاتك

أيها المسلمون، حسبنا المقارنة بين أهل التقوى من غض للبصر وصلة للرحم ومودة للجار وعطف الغني على الفقير واجتماع الأسرة وبر للوالدين وبين ما يعيشه أهل الحرية العرجاء والفجور من تفكك أسري وانهيار اجتماعي وأخلاقي، فأي الفريقين أهدى إن كنتم تعلمون؟

اعلموا أيها الأحبة في الله أن الهوى والشهوات أنواع، من أشدها على الإنسان شهوة الفرج، فهي أشد من أي هوى آخر، وقد علم ذلك بنو صهيون فجعلوا له فقرة في بروتوكولاتهم، تقول: (إنّ الشهوة هي أشد من أي هوى آخر تدمر ولا ريب كل قوى التنبؤ بالعواقب. وهي تصرف عقول الرجال نحو أسوأ جانب في الفطرة الإنسانية) .

وهكذا يوجهون العالم إلى هاويته ونهايته بالتحلل الجنسي الذي يقودونه في القرن العشرين.

ولقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الشهوة الجنسية واتباع الهوى فيها أشد الحذر إذ قال: (( إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم و فروجكم ومضلات الهوى ) )رواه الإمام أحمد.

وهناك لهو الحديث فمن الناس من يشتريه ليضل عن سبيل الله كما يقول ربنا تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6، 7] . وقد قال بعض المفسرين أن المراد بلهو الحديث هنا الغناء، فمن اتبع هواه وأطلق لأذنيه العنان في سماع الغناء ليل نهار فإنه يخشى عليه خاتمة السوء، فمن عاش على شيء مات عليه ومن مات على شيء بعث عليه.

فكيف يقابل ربه من مات على سماع الغناء الماجن الخليع الواصف لجسد المرأة فسوف يبعث على ذلك يوم القيامة، فيا للخزي حين يأتي الشهيد يثعب دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ويبعث المحرم يلبي: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، ويبعث ذلك الذي مات على الغناء وهو يردد ما كان يغني به.

يقول أحد الصالحين:

برئنا إلى الله من معشر……بهم مرض من سماع الغنى

وكم قلت يا قوم أنتم……على شفا جرف ما به من بنا

شفا جرف تحته هوة ……إلى درك كم به من عنى

وتكرار ذا النصح منا لهم ……لنعذر فيهم إلى ربنا

فلما استهانوا بتنبيهنا……رجعنا إلى الله في أمرنا

فمتنا على سنة المصطفى …وماتوا على تنتنا تنتنا

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنّ ربي غفور رحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى. وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

أيها الناس، اعلموا أن المؤمن الحق يبادر اللحظات ليفوز بالجنة والتي لا يدخلها إلا المتقون تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً [مريم:63] .

وعن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله بلا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر أيسر منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يجد إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) ).

فالمؤمن عليه أن يتقي هذه النار بكل ما يملك، لا أن يغمس نفسه فيها، وعليه أن يقاوم هوى النفس وذلك بأن يعتصم بالله تعالى ويلتزم فعل الطاعات وترك المعاصي، وكذلك عليه أن يصاحب الأخيار ويبتعد عن الأشرار الذين يتبعون أهواءهم، يقول تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحياةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] .

وفقنا الله تعالى لما يحبه و يرضاه.

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين اللهم آمين.

أسامة بن عبد الله خياط

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-خطورة اتباع الهوى. 2- من صور اتباع الهوى: القول على الله بغير علم، الغفلة، الإخلاد إلى الأرض، الظلم، سوء الظن، الحكم بغير ما أنزل الله، العجب، عدم العدل. 3- علاج اتباع الهوى.

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق تقاته، فإن التقوى خير زاد يصحب المسلم في رحلته إلى الله والدار الآخرة حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت