أيها المسلمون، إن مجانبة الضلال والسلامة من الغواية والنأي عن فساد العمل منتهى أمل المسلم، وغاية أمله وذروة مقصده، لذا ليس عجباً أن ينبعث له حس مرهف وشعور يقظ، وفكر حي يحمله على تمام الحذر من كل ما يحول بينه وبين سلوك سبيل الاستقامة، فإن الحوائل كثيرة، وإن العوائق عديدة، غير أن من أظهر هذه الحوائل وأقوى هذه العوائق أثراً وأشدها خطراً اتباع الهوى, على معنى أن يكون دليل المرء وقائده ومرشده ما تميل إليه نفسه, ويهواه قلبه, ويلتذ به حسه لا ما يأمره به وينهاه عنه الله ورسوله.
ولما كان المسلم مأموراً بأن يجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، كما قال سبحانه مخاطباً أشرف خلقه وخاتم أنبيائه صلوات الله وسلامه عليه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] ؛ كان اتباع الهوى عاملاً خطيراً في النأي بحياة المسلم عن هذا الأصل العظيم من أصول السعادة وأسباب النجاة، ولذا حذّر سبحانه في حشد من آيات كتابه العزيز من اتباع الهوى مقروناً بجملة من الصفات المقبوحة والأحوال المرذولة التي تعد مع ذلك من الأسباب الباعثة عليه والمفضية إليه.
فمن ذلك عدم العلم بالله وآياته وشرعه، ومنه القول على الله بغير علم، كمن يتصدى للفتوى دون أن تجتمع فيه شروطها وآدابها، فيكون من نتيجة ذلك أن يفتي الناس بما تهوى الأنفس, لا بمقتضى الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ، فيورد نفسه بذلك ويورد غيره موارد الهلاك, ويكون وبالاً على الأمة وسبباً في الانحراف عن الحق كما قال سبحانه: وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:119] .
ومن ذلك الغفلة عن ذكر الله والإعراض عن شرعه, فإنها تحمل المسلم على ترك ما أمر به, ونهي عنه, والانصراف إلى شهوات النفس ولذات الحس وجعلها منتهى همّه, وغاية مقصده، فلاحظ في نفسه لغيرها، بل يكون حاله مشابهاً لحال الدواب والعجماوات.
ويزداد عظم الخطر عندما ينصرف المرء عن شريعة ربه بالكلية مصماً أذنيه عن البينات والهدى فتتشعّث عليه أموره, ويشيع الاضطراب في حياته، ولذا حذر سبحانه المؤمنين من هذه العاقبة فقال سبحانه: وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] .
ومنها الإخلاد إلى الأرض، والركون إلى الدنيا والعمل لها والرضا بها، حتى تكون أكبر همه ومبلغ علمه, لها يعمل, وإليها يقصد, ولأجلها يناضل، وفيها يوالي ويعادي، حتى يقعد به ذلك عن سمو الهدف ورفعة الغاية وشرف المقام الذي ينشده ألو الألباب بعملهم لله والدار الآخرة، فتكون عاقبة أمره خسراً وندامة لا تنتهي, وحسرة لا تنقطع, كما قال سبحانه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَاهُ ءايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ الآية [الأعراف:185، 186] .
ومنها الظلم، والظلم يا عباد الله، تتسع أبعاده وتتنوع دروبه، فلا يقتصر على ظلم الإنسان نفسه بالمعاصي حتى يوردها موارد الهلاك، بل يتجاوز ذلك إلى ظلم غيره بألوان كثيرة تندرج كلها تحت مفهوم التعدي عليهم في الأنفس أو الأموال أو الأعراض فيورثه ذلك من ظلمات يوم القيامة ما لا منجى له منها كما قال سبحانه: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الروم:29] .
ومنها تزيين سوء العمل في نفس صاحبه، فإن المرء إذا زين له سوء عمله انعكست لديه الموازين, فأصبح يرى الحق باطلاً، والباطل حقاً، والحسد قبيحاً، والقبيح حسناً، وإنها لمحنة يا لها من محنة، كما قال سبحانه: أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ [محمد:14] .
ومنها الظن، الذي لا يغني من الحق شيئاً، كما قال سبحانه: وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئاً [النجم:28] ، وكما قال سبحانه: إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الْهُدَى [النجم:23] .
ثم إن لاتباع الهوى في دنيا الواقع صوراً كثيرة لا يحدها حد, ولا يستوعبها حصر، غير أن من أعظمها خطراً، وأشدها ضرراً، ما يكون من اتباع الهوى في ميدان الحكم بين الناس، والفصل بينهم في الدماء والأموال والأعراض، ولذا أمر سبحانه نبيه داود عليه السلام بالحكم بين الناس بالحق, ونهاه عن اتباع الهوى لأن عاقبة ذلك الضلال عن سبيل الله, فقال تعالى: يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ الآية [ص:26] .
وكذلك أمر سبحانه نبيه وأشرف خلقه وأعلمهم بربه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بما أنزل الله، وحذره من اتباع الأهواء فقال تبارك وتعالى: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة:49] .
وبين له أن مآل اتباع أهواء الضالين مفضٍ به وهو رسول رب العالمين إلى الضلال والخيبة والخسران, فقال سبحانه: قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [الأنعام:56] .
ولا ريب يا عباد الله، أن هذا كله توجيه للأمة من بعده, وتحذير لها, وهدى وذكرى لأولي الألباب.
ومن صور اتباع الهوى أيضاً اعتداء المرء بنفسه وذهابه بها مذاهب العجب والغرور حتى يشمخ بأنفه, ويستعلي على غيره, ويأنف من قبول الحق ومن الإذعان للنصح متبعاً هواه، مضرباً عن كل ما سواه من البينات والهدى.
ومنه الحكم على الآخر وفقاً لما يمليه عليه هواه ولما يستقر في نفسه من آراء، فإذا بذلك يحمله على ترك العدل، والمسلم مأمور بالعدل مطلقاً، حيث قال سبحانه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالاْقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء:135] .
ومن صور ذلك أيضاً أن تكون للرجل زوجات فلا يقم بمقتضى العدل بينهن, بل يتبع هواه فيحمله ذلك على الميل إلى إحداهن كل الميل، ويذر ما سواها كالمعلقة، بل إن الأمر ليتمادى به إلى تعامله مع أبنائه أيضاً, فإذا هو ميّال إلى بعضهم دون بعض، يرفعه ويهب له ويجعله محضياً بكل ألوان الرعاية والعناية، ويدع غيره من أبنائه مبعداً محروماً منسياً.