وها هنا أنبهُك إلى أمرٍ عظيمٍ غفلَ عنهُ الكثيرونَ، وغابَ عن بالِ آخرين، ألا وهو ذلك الخطأُ الفادحُ، والأمرُ المشينُ، وهو مطالبةُ المسلمِ دائماً بالبدائلِ في كلِّ شيءٍ مُنعَ منهُ وحرمَ عليهِ، مع أنَّ الواجبَ على المسلمُ أن يقولَ سمعنَا وأطعْنا: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) . [سورة النور، الآية: 51] .
فهذا هو الأصلُ في المؤمنِ إذا جاءهُ عن اللهِ ورسولِهِ من الأوامرِ والنواهي: المبادرةَ والسمعَ والطاعةَ.
ولذلكَ يخاطبُ اللهُ تعالى عبادةُ المؤمنينَ بأجلِّ الأوصافِ وأحبِّها إليهمْ لاستجاشةِ قلوبِهِم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) . [سورة الأنفال، الآية: 24] .
وهكذا كان الجيلُ الفريدُ أصحابَ محمدُ صلى الله عليه وسلّم، حيث الاستجابةِ الحيةِ لأوامرِ اللهِ ورسولُهُ دون ترددٍ ولا تلكؤٍ فهاهُم:"لما نزلت آيات الخمر في تحريمه، لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد في نوادي المدينة: ألا إن الخمر قد حرمت. فمن كان في يده كأس حطمها، ومن كان في فمه جرعة مجها، وشقت زقاق الخمر وكسرت قنانيه، وانتهى الأمر كأن لم يكن سكر ولا خمر" (3) .
إذاً لماذا كُلَّما ذكرنا أمراً محرماً طالبنا الناسُ بقولهم: ما هو البديلُ؟! وكأن القائلَ يقولُ: إذا لم تُحضِروا لي بديلاً لن أتراجعَ عمَّا أنا فيهِ من المخالفةِ والعصيانِ، وذلكَ وربِّ الكعبةِ لهو الخُسرانُ المبينُ، قالَ تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) . [سورة الرعد، الآية: 18] ويقول سبحانه: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) . [سورة الشورى، الآية: 47] .
إذاً فهذا أصلٌ يجبُ أن يتربَّى المسلمونَ عليهِ، ويُنشأُ عليهِ الصغيرُ، ويهرمُ عليه الكبيرُ.
ولا بأس أن أذكرَ لك َبعضَ البدائلِ التي تحضُرُني، وكما قيلَ: الحاجةُ أمُّ الاختراعِ.
فمنَ تلك البدائلِ:
الاستراحاتُ: فهذه الاستراحاتُ فيها متنفسٌ لكثيرٍ من الناسِ، فيخرجُ الرجلُ مع أسرتِهِ، ويقضي وقتهُ معهُمْ بأنسٍ وسعادةٍ، دون مضايقاتٍ ولا معاكساتٍ، هادئَ البالِ، قريرَ العينِ، مطمئنَّ النفسِ. فهذه واحدةٌ.
والثانيةُ: استغلالُ أماكنِ المنتزهاتِ في أوقاتِ خلوةِ الناسِ، كبَعدِ صلاةِ الفجرِ على سبيلِ المثالِ، فإن من يتأملُ خروجَ الناسِ يلحظُ أنَّ النزهةَ تبدأ قُربَ غروبِ الشمسِ إلى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليلِ، ثُمَّ بعدَ ذلك يخلو المكانُ، فيمكنُ للرجلِ أن يخالفَ هذه العادةِ ويستمتعَ بهذا المكانِ سواء كان على الساحل أو نحوهِ في مثلِ هذه الأوقاتِ.
الثالثةُ: هناكَ أماكنُ مخصصةٌ للنساءِ يمكنُ للمرأةِ أن تستمعَ فيها وأن تروحَ عن نفسِها فيها على ما في هذا البديلِ من الملاحظاتِ والسلبياتِ التي لا تخفى.
الرابعةُ: الذهابُ إلى الخلواتِ والفلواتِ، والاستمتاعِ بتلكَ الأمكنةِ بعيداً عن أعينِ الناسِ ومضايقَاتِهم.
الخامسةُ: الذهابُ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ لأداءِ مناسكِ العمرةِ، والبقاءِ بقربِ الرحابِ الطاهرةِ، ولا مانِعَ أن يتخللَ تلكَ الرحلةَ المباركةَ زيارةٌ إلى مصائفِ الطائفِ الجميلةِ، فتستمعَ أنتَ وأسرتكَ بالهواءِ العليلِ، والأرضِ الخضراءِ، والمناظرِ الخلابةِ، فتكونَ بذلكَ قد جمعتَ بين الحسنيينِ: فعلِ الطاعةِ والترويحِ عن النفسِ.
وأخيرًا:
ينبغي لكَ أيها المباركُ عند عودَتِكَ للمنزلِ أن تتذكرَ: ما الذي عادَ عليكَ من هذهِ النزهةِ؟! فمنَ وجدَ خيراً فليحمدِ اللهَ، ومن وجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يلومنَّ إلا نفسَهُ.
هذا وصلُّوا - رَحِمكم الله - على النَّبيِّ الكريم، ِوالمرشدِ العظيمِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) . [سورة الأحزاب، الآية: 56] .
المراجع
ــــــــــ
(1) الحديث أخرجه مسلم، ورقمه (2750) من حديث حنظلة الأسدي رضي الله عنه.
(2) انظر تفسير ابن كثير.
(3) الظلال 2/ 975.
الخطبة الأولى
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان،
أمَّا بعدُ:
أيّها الأخوة في الله:
لا تزال هذه الجزيرة العربية هي معقل الإسلام والمسلمين، وعاصمته الخالدة، وقلب العالم الإسلامي؛ ورأس مال المسلمين، والخط الأخير في الدفاع عن الوجود الإسلامي.
وهذه الجزيرة في العالم الإسلامي بمثابة مركز القلب في الجسم الإنساني، فإذا عاش وقَوِي وأدى مهامه في تغذية الجسم بالدماء، حافظ على نظام الجسم الحيوي والصحي؛ عاش الجسم وقوي، وأمّا دب الوهن إلى هذا القلب أو اعتل، وتخلى عن وظيفته ودوره؛ أسرع الموت إلى الجسد، فاستولت عليه الأمراض والعلل، وعجز الأطباء الحاذقون عن إعادة الحياة إليه بالطرق الصناعية الطبية التي يعرفونها.
وذلك أن الجزيرة مركز الإسلام الدائم، وعاصمته الخالدة، وهي البلد المثالي، والمقياس الصحيح الدائم للحياة الإسلامية، ومعيار تعاليم الإسلام العالمية، وصلاحيتها للبقاء والتطبيق، وظهور المجتمع الإسلامي في حيويته وأصالته، وجماله وقوته.
فالرسالة الإسلامية مهما كانت عالمية تجول في الآفاق، لابد لها من مركز يعد مقياساً وميزانا لعمليتها وواقعيتها، وأسوة وقدوة لجميع المدن والقرى والمجتمعات التي تؤمن بهذه الرسالة، وتحتضن هذه العقيدة والدعوة.
ولما كانت هذه الجزيرة، وهذه البقاع المقدسة مصدر الإشعاع العالمي الإسلامي، مقياس قوة الإسلام وسلطانه، كان علماء المسلمين وقادتهم في كل زمن وبلد شديدي الحساسية لما يقع فيها من حوادث، ولما يجري فيها من تيارات، دقيقي الحساب لمدى تمسكها بالتعاليم والآداب الإسلامية، ومحافظتها على الروح الدينية والعاطفة الإسلامية، كبيري الغيرة عليها وعلى قيادتها للعالم الإسلامي.
وإنّ من الأمور التي تؤثر على هذه البلاد: ما يطرح في الآونة الأخيرة من مصطلح السياحة في صفحات الصحف المحلية والمجلات الدورية، حيث يجري عرضه على أساس أنه أحد مصادر الدعم المادي للبلاد! وقد صاحب ذلك إعدادٌ لبرامج سياحية هنا وهناك، ورسمٌ للخطط لإقامة مشروعات في صناعة السياحة!.
أيها الأخوة في الله:
إنّ الهدف المعلن للتنمية السياحية هو الجانب الاقتصادي أو المادي، وهذا ما يعلن عنه بوضوح!.
والسؤال هنا: لمن ستعود هذه المكاسب الاقتصادية؟!.
أترجع للبلد الغالي أو إلى المواطن؟!.
أم أنها سترجع إلى أصحاب الأموال وشركات الاستثمار السياحية؟!.