فهرس الكتاب

الصفحة 7738 من 9994

وعلى أية حال، أيا كان المستفيد ودرجة استفادته المادية ومقدارها، فإنّ ما يهم هنا أن ندرك أن أصحاب هذا الهدف الاقتصادي سيتطلعون إلى جلب أكبر قدر ممكن من الناس إلى قطاع السياحة، وتشجيعهم على إنفاق أكبر قدر من مقدراتهم المالية لرفع العائد الاقتصادي؛ والهدف من ذلك تحقق الجدوى الاقتصادية وراء إنشاء المشاريع السياحية الضخمة، وهذا يعني بذل الجهد في إيجاد ما يساهم في تشجيع الناس على الإنفاق المالي سواء كان ذلك للحصول على خدمات أو سلع أو رغبات بصرف النظر عن حلها أو حرمتها وهذا ما يشكل مكمن الخطر.

ومما يشهد على هذه الخطورة: ما نراه من واقع السياحة في العالمين العربي والإسلامي بشكل خاص، وواقعها في دول العالم بشكل عام.

كما تشهد لهذه الخطورة التطبيقات الأولية المحلية الحالية والإرهاصات المستقبلية لها. يقول الله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) . [سورة الإسراء، الآية: 16] .

إن دعوى أهل الصحافة والأقلام حول أهمية السياحية للاقتصاد تحتاج إلى نظر وتأمل، وذلك من خلال طرح الأسئلة التالية:

هل فعلا هذا هو المصدر ذو الأهمية الأولية التي يتوجب التوجه له حالاً، وبكل قوة؟!.

أم أن هناك مصادر أخرى أبلغ في تحقيق الدعم للاقتصاد ومعالجة مشاكله؟!.

وهل مخاطر هذه السياحة وآثارها على معتقدات البلد وأخلاقياته وأعرافه تُعدُّ الأقل من بين نظيراتها من الوسائل الداعمة للاقتصاد؟!.

وما أثر هذه المخاطر على الاقتصاد ذاته على المدى البعيد؟!.

وهل مآل هذه التنمية السياحية مقبولٌ شرعاً وعرفاً وعقلاً؟!.

إنّ السياحة عند جميع الاقتصاديين تعتبر رافداً للاقتصاد، لا أصلاً كما يصوره بعضٌ من الكُتّاب، ولو صرفت هذه الجهود في سبيل التنمية الزراعية أو الصناعية ونحوها لاستفاد المجتمع بإيجاد ركائز اقتصادية ضخمة، ولسلم العباد والبلاد من شرور ومخاطر السياحة.

وإن نظرةً واقعية إلى دولة من أعظم البلدان في مجال السياحة، والتي تمتلك كثيرا من آثار الفراعنة والقرى السياحية ما لا تملكه غيرها من الدول، إضافة إلى الخبرة الكبيرة في هذا المجال، ومع ذلك فإنها غارقة في الديون، بالإضافة إلى ما سببته السياحة لها من مفاسد عقدية وأمنية وأخلاقية.

أيها المسلمون:

إنّ الذين يفدون إلى هذه البلاد للسياحة أحد فريقين:

المسلمون: وعامتهم يطلبون السياحة الدينية؛ حيث يقصدون آثاراً ومزارات وقبوراً لا يكادون يجدون نحوها في كل بلاد الدنيا، ولا يخفى ما في هذا السلوك من إحياء الوثنية وتشييد وتعظيم المزارات البدعية والشركية، وإعادة تمجيدها بعد أن طهر الله منها هذه البلاد على يد الإمامين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود وأبنائهما يرحمهم الله تعالى فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ونعوذ بالله أن نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة.

وأمّا الفريق الآخر: فهم الكفار؛ حيث يفدون على أنهم ضيوف لهم حق الضيافة، وفي الوقت الذي لا يجوز للكفار دخول جزيرة العرب أو الإقامة فيها لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إلَّا مُسْلِمًا". [أخرجه مسلم] .

فإن هناك أمراً أكثر خطورة، وهو أن دخولهم على هذه الصفة مدعاة لموالاتهم ومودتهم، وقد قال الله تعالى:

(لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) . [سورة المجادلة، الآية: 22] .

كما أن ذلك مثار للإعجاب بهم وتقليدهم، والتشبه بهم في السمت الظاهر، وهو أمرٌ يقود إلى المشابهة في الباطن، عافانا الله وإياكم من ذلك.

إن أبناء المسلمين اليوم يتلقّفون عادات الكفار وتقاليدهم عبر القنوات الفضائية من على بعد آلاف الأميال، وقد رأينا أثر ذلك في واقعنا، فهو ظاهرٌ من خلال تلك التقليعات والموضات وأصوات الموسيقى الغربية الصاخبة!.

فما الظن حينما يرى الشباب أولئك العظماء في نفوسهم، وقد جاءوا عندهم على أرض الواقع؟!، فلقد زار هذه البلاد بعض اللاعبين والملاكمين، ورأينا كيف تزاحم الشباب لتقبيلهم وأخذ صورة تذكارية معهم!.

فكيف سيكون الحال عند قدوم آلاف الغربيين بصورهم الفاتنة، وأشكالهم المغرية؟!.

ولنتذكّر أن انفتاح المجتمعات المسلمة على المجتمعات الخارجية من أهم أسباب ذوبانها وإضعاف دوافع التدين لدى أبنائها.

إنّ السياحة تشكّل غطاء لأمرين خطيرين:

الأول: عصابات الجنس، التي تسعى لنشر الفاحشة وتسويقها.

والثاني: الهيئات التنصيرية التي ستستفيد من قرار التأشيرات السياحية والاستثمار الأجنبي، وستحاول تملّك العقارات لبثّ شرّها.

وقد يقول قائلٌ: كيف لأهل التوحيد أن يتنصروا وقد تغلغل الإيمان في قلوبهم؟!.

وأقول: لابد أن تعلم يا أخي، أن التنصير والدعارة والفساد، هما وجهان لعملة واحدة، فنشر الفساد هي المرحلة الأولى لانتشار التنصير، ولتقوية البعثات الكنسيّة في أي بلد، والدليل على ذلك ما قاله رئيس المبشرين (القس زويمر) في مؤتمر القدس للقساوسة، والذين اجتمعوا من كل مكان:"إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريم، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليه الأمم في حياتها، وبهذا تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية".

ويقول في كلام آخر له:"أخرجوا أبناء المسلمين من الإسلام ولا تدخلوهم المسيحية، فإن هذا تشريفٌ لهم، بل اجعلوهم إن عملوا؛ عملوا للشهوة، وإن جمعوا المال فلها، وإن صرفوا فللشهوة، فإذا أصبحوا بلا دين ولا مبادئ ولا أخلاق بإمكانكم أن تسيطروا عليهم وتقودهم إلى حيث شئتم".

ومن أخطار السياحة أيضاً: أن الدول التي فتحت أبوابها للسياح أصبحت تعاني من تفشي الأمراض المعدية؛ وبخاصة الجنسية منها، ولعل الدوائر الصحية قد اكتشفت حالات من المرض الجنسي الشهير (الإيدز) نتيجة سفر بعض الشباب إلى تلك البلاد، فكيف يكون الحال إذاً حينما نستقطب أجناس الناس من كافة الأرض - ولكل بلاد أمراضها وفيروساتها - فهكذا ستجتمع أخبث الأمراض في بلادنا، وستتلقفها أجساد أبنائنا؟!.

أيها الأخوة في الله:

إنّ هذه البلاد - ولله الحمد والمنة - تنعم بأمن لا مثيل له في العالم بسبب ارتفاع الوازع الديني لدى شعبها، لذا فإن مجيء السياح الأجانب سيساهم في تقليص هذا الوازع مما يجعل الجرائم أمراً معتاداً، هذا من جانب.

ومن جانب آخر سيكون نفس السائح الأجنبي مصدراً للجريمة والفساد حيث لا وازع يردعه، ومن خلال مظلة السياحة تتسلل عصابات المافيا والجنس الذين سيغرقون البلاد بأنواع الجرائم، من السرقات والنصب والاحتيال إلى الاختطاف والقتل، إلى ترويج المخدرات والعملات المزورة وغسيل الأموال والمتاجرة بالجنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت