ومن أسباب ذلك: ترك الصغار في الصف متجاورين فيحصل منهم اللعب والحركات التي تشوش على المصلين عموماً وعلى من يجاورهم خصوصاً. أما إذا فرّق بينهم، أو صلى صبي بجانب وليه فإنه يزول هذا المحذور. وهذا هو الواجب على الأولياء وجماعة المسجد الذين يكثر الصبيان فيهم، وإن تركوهم وشأنهم صاروا مصدر إزعاج. وقد يصعب علاج الأمر إن لم يتدارك من أوله. وهذا أمر مشاهد وملحوظ. وإن كان الصبي غير مميز فيمكن حمله في الصلاة،كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، أو تلهيته بشيء من اللعب، كما ثبت في السنة [9] .
وإذا تقدم الصبيان - ولا سيما المميزون - إلى الصف الأول أو كانوا وراء الإمام فإنه لا ينبغي إبعادهم - على الراجح من قولي أهل العلم - لما يلي:
* ما ورد في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه، وفي لفظ: (أن يقيم الرجلُ الرجلَ) [10] .
* فهذا نهي صريح في إقامة الرجل أخاه من مكانه ثم يجلس فيه، والصبي المميز داخل في هذا الحكم.
قال القرطبي: (نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما كان ذلك لأجل أن السابق لمجلس قد اختص به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه، فكأنه قد ملك منفعة ما اختص به من ذلك، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه) [11] .
* أن إبقاءهم في أماكنهم فيه ترغيب لهم في الصلاة، واعتياد المسجد. أما طردهم وإبعادهم - كما يفعله كثير من الناس [12] - فهذا فيه محاذير عديدة منها:
* أن هذا مخالف لما كان عليه سلف الأمة، فإنه لو كان تأخير الصبيان أمراً مشهوراً لاستمر العمل عليه، كتأخير النساء، ولنقل كما نقلت الأمور المشهورة نقلاً لا يحتمل الاختلاف [13] .
وأما ما ورد من أن بعض السلف أخّر الصبي فهو إما رأي صحابي، أو محمول على صبي لا يعقل الصلاة، ويعبث فيها [14] .
أن طرد الصبي من الصف الأول يؤدي إلى كسر قلبه، وتنفيره من الصلاة، وبغضه المسجد. والشارع الحكيم يحرص على ترغيبهم في الصلاة وحضور المسجد.
* أن هذا قد يؤدي إلى اجتماع الصبيان في مكان واحد متأخر، وهو سبب في عبثهم وتشويشهم.
* أن هذا الصبي يكره الرجل الذي أقامه من مكانه ويحقد عليه، ويدوم على ذكره بسوء؛ لأن الصغير عادة لا ينسى ما فعل به [15] .
ثم إن إحضار الصبيان للمسجد ليس مقصوراً على تعليمهم الصلاة وترغيبهم في المسجد، بل هناك مقاصد أخرى منها:
أن يكون الصبي صغيراً وليس له في البيت من يرعاه وقت الصلاة فيصحبه المصلي معه. أو يكون الإنسان في السوق أو في الطريق ومعه ابنه فتحضر الصلاة فيدخله المسجد معه. ونحو ذلك مما يعرض ولا سيما في أوقات الصلاة.
أما ما ورد في حديث أبي مسعود - رضي الله عنه - من قوله صلى الله عليه وسلم: (( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ) [16] .
فهذا لا يفيد تأخير الصغار عن أماكنهم، وإنما هو حث لأولي الأحلام والنّهى - وهم أصحاب العقول - على التقدم ليكونوا وراء الإمام، لتنبيهه على سهو إن طرأ، أو استخلاف أحدهم إن احتاج إلى ذلك. ولو كان المراد النهي عن تقدم الصبيان لقال: لا يلني إلا أولو الأحلام والنهى [17] .
وتجوز مصافة الصبي، وذلك بأن يقف معه رجل بالغ في صف واحد، أو يصلي بالغ بعدد من الصبيان، فيكونون صفاً - وهذا على الراجح من قول أهل العلم، وهو قول الجمهور - لورود أدلة صحيحة صريحة تفيد ذلك.
ومن ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (( أن جدته مليكة - رضي الله عنها - دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته، فأكل منه، فقال: قوموا فلأصل بكم ، فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبث فنضحته بماء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم واليتيم معي، والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين ) ) [18] .
فهذا الحديث دليل على جواز مصافة البالغ الصبي؛ لأن هذا اليتيم صفّ مع أنس - رضي الله عنه - خلف النبي صلى الله عليه وسلم. واليتيم: من مات أبوه ولم يبلغ.
[1] اللسان (14/450) ، الدر النقي لابن عبد الهادي (1/170) ، الأشباه والنظائر للسيوطي ص (311) ، فتح الباري (2/346) .
[2] أخرجه أبو داود (494) والترمذي (407) وقال: حديث حسن صحيح، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عند أبي داود (495) .
[3] أخرجه البخاري (516) ومسلم (543) ، والرواية المذكورة له. وقوله: (ولأبي العاص . .) معطوف على (زينب) والتقدير: بنت لزينب ولأبي العاص.
[4] أخرجه أبو داود (918) وإسناده صحيح.
[5] انظر معالم السنن للخطابي (1/431) ، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/156) .
[6] أخرجه البخاري (566) وقوله: (أعتم) أي: دخل في العتمة مثل: أصبح، دخل في الصباح. والمعنى: أخّر صلاة العشاء إلى العتمة، وهي: ثلث الليل بعد مغيب الشفق، ومثل حديث عائشة حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عند البخاري (7239) ومسلم (642) .
[7] فتح الباري (2/344) تحذير الساجد (25) .
[8] فتح الباري (2/48) .
[9] ورد ذلك في حديث الربيع بنت معوّذ - رضي الله عنها - أخرجه البخاري (4/200) ومسلم (1136) .
[10] أخرجه البخاري (911) ومسلم (2177) .
[11] المفهم (5/509) .
[12] قد يحتج من يرى إبعاد الصبيان عن المساجد بحديث"جنبوا مساجدكم صبيانكم"وقد أخرجه ابن ماجه (750) والطبراني في الكبير (22/57) من طريق الحارث بن نبهان حدثنا عتبة عن أبي سعيد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - والحارث هذا ضعيف جداً، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي وأبو حاتم: متروك،وقال ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: لا يكتب حديثه. ذكر ذلك الذهبي في الميزان (1/444) والحديث له شواهد لا يصح منها شيء. انظر: نصب الراية (2/491) .
[13] حاشية ابن قاسم على الروض المربع (2/341) .
[14] انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (2/533) الفروع (1/406، 407) .
[15] الشرح الممتع (3/21) .
[16] أخرجه مسلم (432) ومثله حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وهو عند مسلم أيضاً.
[17] الشرح الممتع (3/ ) ، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/1116) .
[18] أخرجه البخاري (380) ومسلم (658) وقوله:"فلأصلّ لكم"اللام لام الأمر وهي ساكنة لوقوعها بعد فاء العطف، والفعل مجزوم بحذف الياء. وفي رواية:"فلأصل"بكسر اللام على أنها للتعليل. والفعل بعدها منصوب بفتح الياء. (تنبيه الأفهام) لابن عثميمين (1/172) .
Imageإن المتأمل في نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بأحكام زينة المرأة عموماً ولباسها خصوصاً يقف على معالم
بارزة ودلالات واضحة هي جديرة بأن تستنبط وأن تبرز أمام المرأة المسلمة لتكون بمثابة القواعد والأسس التي تسير المرأة على ضوئها ومن هذه المعالم:-
1-أن الإسلام اهتم بزينة المرأة ولباسها أكثر من اهتمامه بزينة الرجل ولباسه، فجاء ذلك مفصلاً تفصيلاً دقيقاً، بَيّنَ فيه ما كان مباحاً وما كان منهياً عنه .
وذلك والله أعلم لأمرين:-
الأول: أن الزينة أمر أساسي بالنسبة للمرأة ، لأن الله فطرها على حب التزين والرغبة في التجمل ، حتى صارت الزينة بالنسبة للمرأة في رتبة"الحاجيات"بفواتها تقع في الحرج والمشقة .
الثاني: أن المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجال ، وعلى هذا فإن زينتها إذا فقدت المسار الصحيح والاتجاه المرسوم صارت من أعظم أسباب الفتنة والفساد .