ومن فوائده أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل فإن العبد لابد له من أن يتكلم فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى تكلم بهذه المحرمات ولا سبيل إلى السلامة منها ألبتة إلا بذكر الله تعالى والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك فمن عود لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو ومن يبس لسانه عن ذكر الله تعالى ترطب بكل باطل ولغو وفحش ولا حول ولا قوة إلا بالله ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ولابد.
ومن فوائد الذكر أنه من أكبر العون على طاعته سبحانه فإنه يحبب الطاعة إلى العبد ويسهلها عليه، يجعلها قرة عينه فلا يجد في الطاعة من الكلفة والمشقة والعناء ما يجده الغافل.
ومن فوائده أنه يسهل المصاعب وييسر العسير ويخفف المشاق فما ذكر الله على صعب إلا هان ولا على عسير إلا تيسر ولا على شاق إلا خف ولا على شدة إلا زالت ولا كربة إلا انفرجت وذلك لأن الذكر يذهب عن القلب المخاوف كلها وله تأثير عجيب في حصول الأمن فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول الخوف قال الله تعالى: ?أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ? (18) .
ومن أعظم فوائد الذكر أنه ينبه القلب من نومه ويوقظه من سنته والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته ولا تحصل يقظته إلا بذكر.
أيها المؤمنون هذه بعض فوائد الذكر الذي هو من أسهل الأعمال وأيسرها وأقلها كلفة فهلا عمرنا به الأوقات وشغلنا به المشاهد والخلوات عسى أن ندرك بعض هذه المناقب والخيرات فإنه والله وبالله من أعظم الحرمان ومن أشد الخذلان أن يمضي الواحد منا الساعات إما صامتاً ساكتاً أو متكلماً فيما لا يعود عليه بنفع لا في الدنيا ولا في يوم المعاد بل إنه قد أصبح من غرائب المشاهدات عند أكثر الناس أن يروا من يحرك شفتيه بالذكر في المجامع والخلوات فما أن يروا من ذلك شيئاً إلا رمقه الناس بأبصارهم وتابعوه بأنظارهم وقد يسيء به بعضهم الظن فينسبه إلى قلة العقل أو غير ذلك من الأمراض فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(1) الأحزاب: 41.
(2) البقرة: 152.
(3) الأحزاب: 35.
(4) أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء برقم 21995.
(5) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم 2676.
(6) أخرجه الترمذي في الدعوات برقم 3375.
(7) النساء: 103.
(8) أخرجه مسلم في الحيض برقم 373.
(9) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه برقم 779.
(10) أخرجه البخاري في الإيمان من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه برقم 52 وأخرجه مسلم في المساقاة برقم 1599.
(11) أخرجه الترمذي في الدعوات برقم 3426 وأخرجه أبو داود في الأدب برقم 5095.
(12) أخرجه البخاري في الأذان برقم 608 وأخرجه مسلم في الصلاة برقم 389.
(13) أخرجه البخاري في المناقب برقم 3705 وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم 2727.
(14) البقرة: 152.
(15) أخرجه البخاري في التوحيد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 7405 وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم 2675.
(16) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم 2701.
(17) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 2699.
(18) الرعد: 28.
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
فاتقوا الله أيها المؤمنون كما أمركم ربكم فقال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ? (1) واعلموا أيها المؤمنون أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقول: (( إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) ) (2) رواه مسلم وقد قال النبي r مبيناً شدة تقلب قلوب العباد: (( لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا اجتمعت غلياناً ) ) (3) رواه أحمد بسند لابأس به وقد قيل:
وما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ ولا القلب إلا أنه يتقلب
ومصداق هذا كله مشاهد ملموس في واقع الناس فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم أصبحت وزهرها يابس هشيم فبينا ترى الرجل من أهل الخير والصلاح ومن أرباب التقى والفلاح قلبه بطاعة ربه مشرق سليم إذا به انقلب على وجهه فترك الطاعة وتقاعس عن الهدى. وبينا ترى الرجل من أهل الخنا والفساد أو الكفر والإلحاد قلبه بمعصية الله مظلم سقيم إذا به أقبل على الطاعة والإحسان وسلك سبيل التقى والإيمان.
أيها الإخوة المؤمنون إن تذكر هذا الأمر لتطير له ألباب العقلاء وتنفطر منه قلوب الأتقياء وتنصدع له أكباد الأولياء كيف لا والخاتمة مغيّبة والعاقبة مستورة والله غالب على أمره والنبي r قد قال: (( فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) ) (4) متفق عليه، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فيا عباد الله عليكم أن تجتهدوا في أخذ أسباب الثبات وأن تحتفوا بها علماً بأن المقام جد خطير والنتائج لا تخالف مقدماتها والمسببات مربوطة بأسبابها وسنن الله ثابتة لا تتغير، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
أيها المؤمنون إننا في هذه العصور أحوج ما نكون إلى معرفة أسباب الثبات والأخذ بها، فالفتن تترى بالشبهات والشهوات والقلوب ضعيفة والمعين قليل والناصر عزيز وقد أخبر النبي r عن سرعة تقلب أهل آخر الزمان لكثرة الفتن فقال: (( إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ) ) (5) .
لكل واحد منكم أيها الحاضرون أذكر بعض أسباب الثبات عسى الله أن ينفعنا بها وأن يثبتنا بالقول الثابت.
فمن أسباب حصول الثبات على الحق والهدى والدين والتقى الشعور بالفقر إلى تثبيت الله تعالى وذلك أنه ليس بنا غنى عن تثبيته طرفة عين فإن لم يثبتنا الله وإلا زالت سماء إيماننا وأرضُه عن مكانها وقد قال مخاطباً خير خلقه وأكرمهم عليه: ?وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً? (6) وقال تعالى: ?إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا? (7) وكان نبينا r يكثر من قوله: (( لا ومصرف القلوب ) ) (8) كما روى ابن ماجه بسند جيد مما يؤكد أهمية استشعار هذا الأمر واستحضاره.