فإذا ما تم التخصيب وتكونت النطفة الأمشاج من الحيوان المنوى والبويضة ، يصنع الله جل وعلا للبويضة الملقحة جداراً سميكاً مصمتاً لا يمكن لأى حيوان منوى آخر اختراقة كما أن البويضة تخلع عنها تاجها المشع الذى كان يغرى الحيوانات المنوية بالإقتراب منها.
ومنذ هذه اللحظة تبدأ بالإنشطار في الخلية فتتحول إلى خليتين والخليتان إلى أربع وهكذا حتى تتكون مئات الخلايا على هيئة ثمرة التوت ،وفى خلال خمسة أيام أو سبعة أيام على الأكثر تكون قد وصلت إلى الرحم الذى استعد لها هو الآخر بالفرش والوسائد أى بالأوعية الدموية التى تغذيها وتنميها .
ثم تتحول هذه النطفة الأمشاج بعد ذلك إلى المرحلة التالية وهى مرحلة العلقة وسميت بذلك لتعلقها بجدار الرحم .
وتبدأ العلقة في اليوم السابع في التمايز إلى طبقتين خارجية وداخلية أما الخارجية فهى تأكل خلايا الرحم لتمتص الغذاء منها .
وأما الداخلية فوظيفتها تكوين الجنين .
وفى الأسبوع الرابع تتحول هذه العلقة إلى مضغة وقد سميت بذلك لانها بمقدار ما يمضغ من اللحم وقد بين العلم الحديث أن الجنين في هذه المرحلة يبدو وكأن أسنانا قد غرزت فيه ومضغته ثم قذفته ثم تتحول هذه المضغة بقدرة الله جل وعلا إلى عظام وعضلات .
وفى الأسبوع السادس والسابع تُكْسى هذه العظام باللحم .
ثم يأتى الطورُ الأخير وهو طور التصوير والتسوية والتعديل ثم النفخ في الروح وصدق ربى إذ يقول:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:12]
وفى الحديث الذى رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفارى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا مَرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكان ، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى ؟ فيقضى ربك ما يشاء ، ثم يقول يا رب ! رزقه . فيقضى ربك ما يشاء ، ويكتب الملك . ثم يخرج المَلَكُ بالصحيفة في يده ، فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص ) ) (1) .
وفى رواية بالصحيحين من حديث أنس أنه قال:
(( إن الله عز وجل قد وَكَّلَ بالرحم ملكاً فيقول: أى رب نطفة . أى رب ! علقة ، أى رب ! مضغة . فإذا أراد الله أن يقضى خلقاً قال الملك: أى رب ! ذكر أو أنثى ؟ شقىٌ أو سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب كذلك في بطن أمه ) ) (2)
إذا كان العلم الحديث يستطيع أن يتعرف على نوع الجنين في مرحلة معينة من مراحل النمو فإن الله جل وعلا قد علم نوع الجنين قبل أن يلتقى الرجل مع امرأته .
ويعلم الله هل سيكون المولود ولداً أم أنثى .
ويعلم الله هل سيكون هذا المولود شقياً أم سعيداً .
ويعلم الله رزقه ويعلم الله بأى أرض يموت . اسألوا أهل العلم وقولوا لهم أأنتم أعلم أم الله ؟!
قل للطبيب تخطفته يد الردى.. يا شافى الأمراض من أرداك ؟!
قل للمريض نجا وعُوفي بعدما عجزت فنون الطب من عفاك ؟!
قل الصحيح مات لا من علة من يا صحيح بالمنايا دهاك ؟!
بل سائل الأعمى خطى وسط الزحام بلاً أصطدام من يا أعمى يقود خطاك؟!
بل سائل البصير كان يحذر حفرةً فهوىَ بها من ذا الذي أهواك ؟!
وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى من ذا الذي يرعاك ؟!
وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك ؟!
وإذ ترى الثعبان ينفث سمه فسله من يا ثعبان بالسموم حشاك ؟!
وأسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك
وأسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك ؟!
بل سائل اللبن المصفى من بين فرث ودم من ذا الذي صفاك ؟!
وإذا رأيت الحي يخرج من حنايا ميت فاسأله من أرباك ؟!
وإذا رأيت النبت في الصحراء يربو وحدة فاسأله من أحياك ؟! ...
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فسأله من يا نخل شق نواك ؟!
وإذا رأيت البدر يسرى ناشراً أنواره فسأله من أسراك ؟!
وإذا رأيت النار شب لهيبها فسأل لهيب النار من أوراك ؟!
وإذا ترى الجبل الأشم مناطحا قمم السحاب فسله من أرساك ؟!
لله في الآفاق آيات أقلها هو ما إليه هداك ؟!
ولعل ما في النفس من آيات عجب عجاب لو ترى عيناك ؟!
والكون مشحون بأسرار إذا حاولت تفسيرا لها أعياك ؟! ...
أإله مع الله ؟! أإله مع الله ؟! أإله مع الله ؟!!
سل الواحة الخضراء والماء جاريا. وهذه الصحارى والجبال الرواسيا
سل الروص مزدانا سل الزهر والندى سل الليل والأصباح والطير شاديا
سل هذه الأنسام والأرض والسما سل كل شىء تسمع التوحيد لله ساريا
ولو جن هذا الليل وامتد سرمدا فمن غير ربى يرجع الصبح ثانيا
أإله مع الله ؟! أإله مع الله ؟! أإله مع الله ؟!!
انظر لتلك الشجرة ... ... ذات الغصون النضرة
كيف نمت من حبة وكيف صارت شجرة
ابحث وقل من ذا الذى يخرج منها الثمرة
ذاك هو الله الذى أنعمه منهمرة
ذو حكمةٍ بالغةٍ وقدرةٍ مقتدرة
وأخيراً: يا أيها الإنسان ماغرك ؟!!
عتاب مخجل من الله للإنسان الذى يقف بين يديه سبحانه وهو مقصر مذنب !! مغتر ، متبجح !! غير مقدر لعظمة الله وقدرته وجلاله .
يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8]
أيها الإنسان المغرور من تكون ؟! وأين أنت من خلق السموات والأرض؟!!
قال سبحانه: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر:57]
فالسموات والأرض معروضتان للإنسان يراهما بالليل والنهار ويستطيع أن يقيس نفسه إليهما فإذا علم حقيق النِّسَب والأبعاد وحقيقة القوى والأحجام يتصاغر ويتضاءل ويعلم أنه لا ذكر له ولا كرامة إلا بتكريم الله له ، وتشريفه بعبوديته له جل وعلا لينسجم مع هذا الكون الهائل الذى جاء مطيعاً منقاداً لله جل جلاله .
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11]
فيا أيها الإنسان المغرور اعرف قدر ربك لتعرف قدر نفسك !!
اعرف عظمة ربك لتعرف قدر نفسك !!
اعرف كمال ربك لتعرف ضعف نفسك: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15/17]
(1) الأهرام في 22/3/1997 بقلم: عزت السعدنى .
(1) رواه مسلم رقم (8341) فى النكاح باب حكم العزل .
(1) رواه مسلم رقم (2645) فى القدر باب كيفية الخلق الآدمى في بطن أمه .
(2) رواه البخارى ومسلم رقم (2646) فى القدر باب كيفية الخلق الآدمى في بطن أمه .
الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذى أذل بالموت رقاب الجبابرة ..، الحمدُ لله الذى أنهى بالموت آمال القياصرة .. ، فنقلهم بالموت من القصور إلى القبور ..، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود..، ومن ملاعبة النساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان ..، ومن النتعم في الطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب.