فهرس الكتاب

الصفحة 8563 من 9994

فمتى تتحركُ الأقلامُ الخيِّرة، وتنطلقُ الطاقاتُ المعطلةُ، فتُفجِّر إمكاناتِها وتُقِّدمُ إبداعاتِها، فَتُثري مكتبةَ الصحوة بعطائِها المتدفق، ونتاجِِها الخلاب .

أيها المسلمون:

ومن الطاقاتِ المُعطلة كذلك أربابُ الأموال، وأثرياءُ المسلمين، من محبِّي الخير، وصانعي المعروف !

فكمْ يوجدُ بين ظاهراني المسلمين من ذويِ النَّخوةِ والجود، ومحتسبيِ الأجور عند اللهِ تعالى !

هؤلاء الخيرون الطيبون بحاجةٍ إلى منْ يُحركُ هممَهم، ويُؤججُ حماسَهم، ويستدعي مروءَتهم للإنفاقِ في سبيلِ الله .

كمْ من المشروعاتِ الإسلامية أُوقفت بسببِ المصاعبِ المالية ؟

وكمْ من الأفكارِ المُدهشة ظلتْ حبيسةَ الأذهان، نتيجةَ ضعفِِ التمويلِ أو انعدامِه، ألا إنَّ مخاطبةَ أولئكَ الأثرياء واستنهاضََ نخوَتهم، مطلبٌ وضرورة وفرصةٌ ينبغي ألا تُفوَّت .

هذا ربُّنا جل جلاله يستنهض هممنَا جميعاً للإنفاقِ في سبيله، وهو الغني الحميد: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ) ), (( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ) ).

وهذا نبيُنا عليه السلام وقد قدم عليه فقراءُ مُضر فيرقُ لهم، ويتغيرُ وجههُ من أجلهم، ثم يقول تصدق رجلٌ من دينارِه، تصدق رجلٌٌ من درهمِه، من صاعِ بره، من صاعِ تمره، فاجتمعَ بين يديه، ما جعلَ وجهَه يتلألأُ كالقمر، وقد رأى الطاقات المعطلة تتحركُ سريعاً، استجابةً لوعدِ اللهِ ورسولِه .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,

أمَّا بعدُ:

ما تقدمََ ذكرُه هو بعضُ الطاقاتِ المعطلة التي بحاجةٍٍ إلى تحريك، وبعضُ الإمكاناتِ المتاحة التي بحاجةٍ إلى تشغيل، لتكونَ من روافدِ الصحوةِ المعطاة، والطاقاتُ المعطلةُ كثيرةٌ جداً، ولولا خشيةَ الإطالة لذكرنَا منها المزيد، لكنِّي أتركُ ما تبقى من وقت للإشارةِ بسرعة لنماذجَ من النوعِ الثاني من الطاقات، وهي الطاقات ُالمهدرة، فمن الطاقات المُهدرة: الإسرافُ في تحقيقِ التراث، فإنَّه لجهدٌ مشكور، وعملٌ مبرور، أنْ يتوجهَ الباحثون إلى تحقيقِ المخطوطاتِ العظيمة، التي تركَها لنا أسلافُنا، وكمْ نحنُ متشوقون إلى إحياءِ التراثِ وتحقيقِه، وتحررهِ من أسرِ الرفوفِ والأدراج، لكن من الخطأِ البينِ أن يُسرفَ البعض ُفي تحقيقاتِه، ويبالغَ في تعليقاتِه، حتى وجدنَا كتاباً يصفُه مؤلفُه في مجلدين، ويخرجُه لنا محققُه في ثلاثينَ مُجلداً، نعم ثلاثين مجلداً .

تُرى أليس هذا الوقتُ الطويل والجهدُ الكبير الذي بُذل في إخراجِ الكتابِ بهذا الكمِّ الهائل، أليس جهداً مبعثراً ؟! وطاقةً مهدرة ؟!

تُرى لو لم يبالغ هذا الباحثُ الموهوب في تحقيقهِ ذلك الكتاب إلى هذا الحد، أما كان بإمكانهِ أن يحققَ عشرةَ كُتبٍ على الأقل، ويخرجها إلى النور ؟ إنَّ الإسرافَ في تحقيقِ التراث طاقاتٌ مهدرة، يجب أن تتوقفَ عن مسلسلِ الاستنزافِ ذاك، وتتوجهَ إلى تحقيقِ أكبر قدرٍ ممكن من مخطوطاتِنا، دونَ إفراطٍ أو تفريط !

ويقربُ من سابقه طباعةُ كُتُبٍ ركيةِ المحتوى، فارغةِ المضمون، كان طباعةُ غيرِها أولى، ومثلُه توزيعُ كُتُبٍ في أماكنَ كان غيرُها أولى، أو توزيعُها عشوائياً أو لمن يَمتلأُ بيتُه بأمثالِها .

ومن الطاقاتِ المهدرة، انشغال الخيرين بالمهاترات الكلامية، والنزاعاتِ الفكرية، والخصوماتِ والحزبياتِ، والولاءَاتِ المتنافرة، ينشغلونَ بذلك عن بناءِ ذواتِهم، وتأصيلِ توجهاتهم، ومنازلةِ عدوهمِ المشترك .

ومن الطاقاتِ المُهدرة كذلك، طلابُ المدارس لا سيما في أوقاتِ الإجازات، فلو اعتَنى بهم آباؤهم وأولياءُ أمورهم، وبذلوا وسعَهم كي ينضموا إلى المراكزِ الصيفية التي يقومُ عليها المدرسونَ الخيرون، لوجدوا ثمرةَ عنايتهم طلاباً نجباء، وشباباً صُلحاءَ، وطاقاتٍ مُستمرة، فكمْ نفعَ اللهُ بتلكَ المراكزِ المباركة، وحفظتْ لنا شبابَنا من الضياعِ والهلاك، أو الانزلاقِ إلى بؤرِ المخدرات، ومراتعِ الفاحشةِ والجريمة، ألا إنَّ تركَ أولئكَ الشباب بعيداً عن أعينِ الغيورين، وملاحظةِ الأُمناءِ الناصحين، إهدارٌ لطاقاتِهم، وتبديدٌ لقدراتِهم.

وأخيراً أيها المسلمون:

إن العنايةَ بالطاقاتِ الموهوبةِ، والاهتمامَ بالقدرات المُتاحة، هو منهجُ رُسولِنا عليه السلام الذي كانَ يستغلُ كل طاقةٍ لدى أصحابه، فيضعُها في المكانِِ الذي يناسبُها، لقد ساعَد أبا هريرة كي يتفرغَ لحفظِ الحديث يومَ وجدَه طاقةً تلتهبُ حماساً للعلمِ والحفظ، واستخلفَ ابنَ أمِّ مكتوم على المدينة، مع كونه رجلاً أعمى حتى لا تُهدَر طاقتُه، واتخذ بِلالاً مؤذناً، لأنَّه كان صيتاً حسَن الصوت، بلْ وأذنَ لأمةٍ سوداء أن تخمَّ المسجد حتى لا تتعطلَ في المجتمعِ طاقة، أو تهدرَ فيه قُدرة .

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور،وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

[1] ورقمه (97) .

إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفره, ونتوبُ إليه, ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفسنا, ومن سَيئاتِ أعمالنا, من يهديهِ اللهُ فهو المهتدي, ومن يُضلل فلن تجدَ لهُ ولياً مرشداً، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ لهُ في رُبُو بيتهِ وألوهيته, وأسمائِهِ, وصفاته, لهُ المُلك, ولُهُ الحمد, بيدهِ الخيرَ, وهُو حيٌّ لا يَموت, وهُو على كلِّ شيءٍ قدير، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً.

يقول تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ) (آل عمران102) .

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ أن اللّهَ كَأن عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء1) .

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (سورة الأحزاب:71) .

أما بعد:

فأيُّها المسلمون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت