يا ابنة الإسلام: في هذه البلاد إنك اليوم مستهدفة، ويراد لك أن تخوضي بحر الظلمات الذي خاضته مسلمات فتهوين في دروبه وصارعن أمواجه، ثم أدركن المؤامرة فعدن إلى بحور النور والهدى.
إن أقوى رد يفند أباطيل دعاة الاختلاط ومروجي الانحطاط هو تخلي المرأة المسلمة عنهم بعد أن انخدعت بهم زمنا طويلا، وخلعت الحجاب وخالطت الرجال، وذاقت ويلات جاهلية القرن العشرين، وجرت في دروب المفسدين، فما وجدت عندهم إلا الشقاء والضنك، فعادت المسلمات زرافات ووحدانا، مستغفرات تائبات شعارهن: (( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) ) [البقرة: 285] .
لقد اغتاظ أدعياء التحرر وصارت عودة الحجاب غصة في حلوقهم، حتى إنهم اعترفوا بهزيمتهم في المعركة الحقيقية، وعللوا ذلك بأن الفتيات يتحجبن عن اقتناع كامل متحديات كل ما وضع في طريقهن من عراقيل وعقبات.
وهذا أحد رموزهم يقول: أصابت المرأة المصرية في أيامنا نكسة ارتدت بها إلى ما قبل، هناك اليوم عشرات الألوف من النساء المرتدات ينزلقن طوعا إلى هوة الماضي، والمأساة أن المرأة اليوم تتبرع سلفا بحجاب نفسها قبل أن يأمرها بالحجاب والدها أو زوج، انتهى كلامه أهلكه الله أو هداه.
وهذه صحيفة في صيحيفة تقول: إن الفتيات المصريات يبدين اهتماما متزايدا بالإسلام، وفي جامعة القاهرة يزيد عدد الطالبات الملتزمات بالزي الشرعي، وقد يأتي يوم لا تبقى فيه طالبة مصرية واحدة إلا وقد ارتدت الزي الشريعي الإسلامي.
ألا فاعلمي يا ابنة هذه البلاد أن أعداء الحق في كل عصر وفي كل مكان على وتيرة واحدة، وقلوبهم متشابهة فيما يرد عليها من الخواطر والشؤون، وعلى المسلمة الصادقة أن توقن أن المعركة بين الحجاب والسفور، بين الحق والباطل لا تنقطع، فإن التاريخ يعيد نفسه، وإن هذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تحويلا.
فطوبى لمن تنزع عنها غلالة الرجعية الجاهلية وتعود من غربتها واغترابها، وتأتي اليوم وغداً بالحجاب ومعها العلم والوعي والبصيرة والحرية الحقة من عبودية العبيد، قائلة لشياطين الإنس الذين يزينون لها تعدي حدود الله: (( إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ) [الأنعام: 15] .
يا ابنة هذه البلاد:
إن التزامك بالحجاب تمسك *** والسعي في نزع الحجاب تدهور
إن التزامك بالحجاب تقدم *** والسعي في نزع الحجاب تأخر
إن عدت الفتن العظام فإنما *** فتن النساء أشدهن وأخطر
أخشى على أوطاننا من فتنة *** فتن البلاد أمامها تستصغر
فبلادنا بين البلاد تميزت*** بالدين يمنحها الثبات ويعمر
فالنار تأكل كل شيء حولها *** والقدر من فوق الأسافي تطفر
قد تهدم السد المشيد فأرة *** ولقد يحطم أمة متهور
أخشى على الأخلاق كسرا بالغا*** إن المبادئ كسرها لا ي
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن محمد عبد ه ورسوله صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد:
يوجد عند الإنسان نوازع للخير ونوازع للشرّ, والنفس منها المطمئنّة ومنها الأمّارة بالسّوء, وثمّة أمور تزكّي النفس وتصلح القلوب، وأمور أخرى تقعد بالنفس عن المعالي، وتفسد على القلب صلاحه، وتضعف من سيره إلى الله، والشيطان حاضر في معترك الصراع بين شهوات النفس وهوى القلب, وقيم الإسلام ومكارم الأخلاق, وعلى قدر المجاهدة والصبر واليقين تتغلّب إحدى القوّتين على الأخرى، ( قوّة الخير و قوّة الشّرّ) .
معاشر المسلمين: حريّ بنا أن نقف على شيء من أمراض القلوب ومعوّقات النفوس عن الصلاح، وأنواع من العلاجات النافعة والمدافعات المشروعة.
أيّها المسلمون: الداء والدواء, والمرض والعلاج يجمعها النبيّ- صلى الله عليه وسلم- في قوله: (( ثلاث منجيات: خشية الله في السرّ والعلن, والعدل في الرضا والغضب, والقصد في الفقر والغنى, وثلاث مهلكات: هوى متّبع, وشحّ مطاع, وإعجاب المرء بنفسه ) ).
حسّنه الألبانيّ في الصحيحة (1802) وفي صحيح الجامع (2025) .
وحين نبدأ من حيث انتهى الحديث, فالعجب آفة خطيرة, وهو مدخل للكبر, وهو راع إلى نسيان الذنوب، فبعضها لا يذكرها المعجب, وبعضها لا يستغفر منها لاستصغاره إيّاها, وبالعكس ترى المعجب يستعظم أعماله, ويغترّ بنفسه, ويأمن مكر الله، المعجب بنفسه يمنع نفسه من السؤال للآخرين عمّا جهله, ولا يستشير غيره فيستفيد من رأيه ومشورته, وأشدّ أنواع العجب ما كان ناشئاً عن العلم والفقه, قال تعالى (( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ) ) ( فاطر: 8) .
قال ابن مسعود- رضي الله عنه-: (( الهلاك في اثتين: القنوط والعجب ) ).
وقال مطرّف بن عبد الله: لأن أبيت نائماً وأصبح نادما, أحبّ إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا.
وحين يرتبط الكبر بالعجب فأعلى درجات الكبر: ردّ الحقّ واحتقار الناس, قال عليه الصلاة والسلام معرّفا الكبر: (( هو بطر الحقّ وغمط النّاس ) ).
إنّ الكبر داء عضال يستمن المتكبّر ورما.. ويرى النّاس أمثال الذّرّ, إنّه ينازع الله في كبريائه وردائه.. ولذا كانت عاقبة المتكبّرين وخيمة عند الله ، (( لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر ) )رواه مسلم (91) .
وحال المتكبّرين يوم القيامة يرثى لها، (( يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صورة الرّجال يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان, يساقون إلى سجن في جهنّم يقال له بولس, تعلوهم نار الأنيار, يسقون من عصارة أهل النّار طينة الخبال ) )أخرجه الترمذيّ في صفة القيامة ح 2492, وأحمد6639, وحسّنه الألبانيّ في صحيح الجامع (رقم 96, 78) .
أيها الناس كم في حياة الإنسان من غمط للناس حقوقهم, وردٍّ للحقّ وبطر؟ وإذا كان هذا سائغا عند الأمم التي لا تدين بالإسلام، (وليس بعد الكفر ذنب) فكيف يسوغ عند أهل الإسلام، والمورد الزلال فيهم ينهى عن الكبر ويذمّ المتكبّرين، (( فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) ) (الزمر:72) .
(( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ) ) (الزمر:60 ) .
(( فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ) ) (الأحقاف:20 ) .
رأى رجل رجلا آخر يختال في مشيته, فقال له: يا عبد الله, هذه مشية يبغضها الله، فالتفت إليه الرجل وقال: ألا تعرفني؟ قال: بلى, أعرفك؛ أولك نطفة مذرة, وآخرك جيفة قذرة, وأنت بين ذلك تحمل الخرأة.
وقال الأحنف لرجل فيه كبر: عجباً لابن آدم يتكبّر وقد خرج من مجرى البول مرّتين.
وقال الحسن- رضي الله عنه-: عجباً لابن آدم يغسل الخرء بيديه كلّ يوم مرّتين، ثمّ يعارض جبّار السموات والأرض (أنظر إحياء علوم الدين 4/ 136, و انظر سر نفسك, أحمد الزهراني/ 20-22) .
ومن آفات النفس الحسد, والتعوّذ منه وارد في القرآن, والحسد صفة إبليس الملعون، وأوّل قتل في الأرض كان سببه الحسد, وما ردّ أهل الكتاب الحقّ بعد معرفته إلّا بالحسد، (( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) ) (البقرة:109) .